رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

المفكر الكبير حسن حنفى فى حوار صريح لـ الوفد:

تجربة الإخوان فى الحكم سيئة

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 28 يوليو 2021 19:49
تجربة الإخوان فى الحكم سيئة

أجرى الحوار: صابر رمضان وتصوير: أحمد حمدى

 «العلمانية» روح الإسلام.. و«التراث» ابن عصره

 التجديد ينشأ من الثقافة الشعبية للناس.. و«الوحى» لا يأتى إلا بعد السؤال

 الإسلام حركة تحرر وطنى للشعوب المستعمَرة

 التيار العقلى موجود فى كل حضارة.. والعلوم النقلية ما زالت هى الطاغية

 مشروع التراث والتجديد يقاوم آفاتنا الثلاث: التقليد للقدماء والتبعية للغرب والعزلة عن الواقع

 الحركة الإسلامية لا تزال مغلولة العقل بالفكر السلفى القديم

 الإسلام السياسى برىء من تخلف العرب ونكبة المسلمين!

 اليسارُ الإسلامى هو محاولة تجسير ما بينَ الماركسية والليبرالية على قاعدة الإسلام المستنير!

 الصراعُ لا يزال محتدمًا لدى نخبنا بين التيارات الفكرية الثلاثة: التغريبى والسلفى والتجديدى

 سبب تخلف العرب فى هذه المرحلة هو عدم خروجهم من التبعية للغرب إلى الإبداع الفكرى الخاص بهم وبعصرهم

 لا شك عندى فى وجود مؤامرة على العرب والمسلمين من الخارج والداخل كذلك!

 صراع الحضارات شأنٌ غربى ينبغى ألا يشغلنا عن همومنا الذاتية وهى كثيرة ومتراكمة!

 أشعر بحالة من الحزن.. ويا ليت نهايتى كانت مثل «بدايتى» مقاومةً وانتصارًا

 كثيرٌ من أساتذة الجامعة شاركوا فى تطور الوعى القومى وحملوا هموم الوطن

 مؤلفاتى أخاطب بها العلماء وأواجه بها المثقفين وأستهدف بها الطبقات الشعبية الكادحة

 أعكفُ الآن على كتابة تفسيرى الشعورى للقرآن

 التواضع سمة العلماء والاعتراف بالحق فضيلة.. ولا ينبغى اقتطاع جملة عن سياقها فى أعمالى الفلسفية أو أحاديثى الفكرية

 التجديد يولد من رحم التراث لأن التراث أصبح موروثًا دينيًا وشعبيًا فلا مهرب من ضرورة الانطلاق من خلاله!

 العلمانية لا تزال تثير حساسية الشعوب الإسلامية لأنها علمانية غربية لا تناسبنا مع أن لدينا أطروحاتنا الإسلامية الملائمة لشعوبنا!

 لستُ أشعريًا بل أنافح عن الأصول الخمسة للمعتزلة بكل قوتى

كان ضربًا من الخيال أن أجرى حوارًا مع المفكر الكبير الدكتور حسن حنفى أستاذ الفلسفة بكلية آداب القاهرة، فالرجل يرفض -تمامًا- لقاء الصحفيين منذ سنوات، فهو يلازم الفراش الآن بسبب ظروفه الصحية وأمراض الشيخوخة، وما أن وافق بعد إلحاحٍ شديدٍ حتى ذهبت إليه برفقة زميلى المصور بالجريدة، وفى منزله دار الحوار بينما يرقد على فراشه بسبب المرض.

الحوار مع مفكر بحجم حسن حنفى حافز وانفراد كبير إلا أنه حوار شائك شائق، فالرجل الذى حارت فيه العقول حتى اتهمه البعض بالكفر والإلحاد، وهب مشروعه للإجابة عن أسئلة صعبة خاصة أنه يعد أحد رواد الفلسفة الإسلامية التى تعد حقلا شائكا مليئا بالألغام.

الدكتور حسن حنفى له العديد من الإسهامات الفكرية فى تطور الفكر العربى الفلسفى وصاحب مشروع فلسفى متكامل.

ولد المفكر الكبير بالقاهرة عام 1935 وحصل على ليسانس الآداب بقسم الفلسفة عام 1956 ثم سافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة ليحصل على الدكتوراه فى الفلسفة من جامعة السوربون وذلك برسالتين للدكتوراه قام بترجمتهما إلى العربية ونشرهما فى عام 2006 تحت عنوان «تأويل الظاهريات» و«ظاهريات التأويل» وقضى فى إعدادهما حوالى عشر سنوات.

حسن حنفى يعد واحدًا من كبار منظرى تيار اليسار الإسلامى وتيار علم الاستغراب وأحد المفكرين العرب المعاصرين من أصحاب المشروعات الفكرية العربية، ومن أبرز تلاميذه فى مصر الراحلان الدكتور نصر حامد أبوزيد والدكتور على مبروك أستاذا الفلسفة بجامعة القاهرة.

«حنفى» رأس قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة وكان محط اهتمام العديد من الجامعات العربية والعالمية، حيث درس فى العديد من جامعات العالم فى المغرب وتونس والجزائر وألمانيا وأمريكا واليابان، وعمل مستشارا علميا فى جامعة الأمم المتحدة بطوكيو خلال الفترة من (1985-1987) وكان نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية، وانصب جل اهتمامه على قضية «التراث والتجديد» وانقسم مشروعه الأكبر إلى ثلاثة مستويات: المستوى الأول منها يخاطب المتخصصين، وقد كان حريصا ألا يغادر أروقة الجامعات والمعاهد العلمية والثاتى فهو للفلاسفة والمثقفين، بغرض نشر الوعى الفلسفى وبيان أثر المشروع فى الثقافة، أما الأخير فهو للعامة بغرض تحويل المشروع إلى ثقافة شعبية سياسية.

حصل المفكر الكبير على العديد من الجوائز فى مصر وخارجها منها جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية 2009 وجائزة النيل فى العلوم الاجتماعية 2015 وجائزة المفكر الحر من بولندا وتسلمها من رئيس البلاد رسميا.

الدكتور حسن حنفى له العديد من المؤلفات تأتى تحت مظلة مشروعه الفكرى «التراث والتجديد» منها «نماذج من الفلسفة المسيحية فى العصر الوسيط» و«اليسار الإسلامى» و«مقدمة فى علم الاستغراب» و«من العقيدة إلى الثورة» و«من الفناء إلى البقاء» و«من النقل إلى الإبداع» (9 مجلدات) و«موسوعة الحضارة العربية الإسلامية» و«فى فكرنا المعاصر» و«حوار المشرق والمغرب» و«حصار الزمن» و«اليمين واليسارفى الفكر الدينى» و«ذكرياتى».

سراديب الحديث لا تنتهى مع المفكر الكبير الدكتور حسن حنفى الذى تنفرد «الوفد» بحوار مطول معه.. فماذا قال؟

بداية إذا تحدثنا عن مسارك الفكرى فما أهم الخطوط العريضة فيه؟

 لقد نشأتُ بين عامى أزمتينِ، أزمة النكبة، وأزمةِ النكسة، عام النكبة فى 1948، وعام النكسة فى 1967، وكنا محاطين بالاحتلال والصهيونية، فنشأنا ونحن ننادى بالتحرر من الاحتلال، وبتحريرفلسطين، ونشأتُ فلسفيًا بين هذين العامين، فالثانوية كانت فى 1952، والليسانس فى الفلسفة كان عام 1956، وفى الوقت نفسه قامتْ ثورةُ 1952 بمبادئها الستة: القضاءِ على الإقطاع، القضاءِ على الاستعمار، القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، إقامة حياة ديمقراطيةِ سليمة، إقامة جيش وطنى قوى، إقامة العدالة الاجتماعية، فنشأتُ فى هذا الجو العام، ثم بعد ذلك جاءتِ الناصريةُ لكى تحققَ أهداف التحررِ والاستقلالِ والاشتراكيةِ، ثم تأميم القناة فى 1956، ثم الوحدة مع سوريا 1958، وبالتالى كنا فى أجواء التطبيق الاشتراكى، أو ما يُسمى بالاشتراكية العربية، فحدث الإصلاح الزراعى، وتوزيع الأراضى على الفلاحين، فكنا فى ذلك الوقت فى غاية من الإحساس بفورة الشباب، والإحساس بأننا فى جوٍ من التحرر الوطنى ضد الإقطاع فى الداخل، وضد الاحتلال فى الخارج، وضد الصهيونية على الحدود، إلى أن جاءتْ هزيمةُ 1967، فأحسسنا بالانكسار، والقضاء على الحُلم الذى عشنا فيه، واستمر الشعبُ والجيشُ فى الاستعداد للنهضة والمقاومة من جديد، فبدأتْ حربُ الاستنزاف فى 1968 و1969 إلى أن توفى «عبدالناصر» سنة 1970، وهنا بدأنا الاعتصاماتِ وثورةَ الطلبة فى الداخل، من أجل تحرير سيناء من العدوان الإسرائيلى، ثم بعد حرب 1973 سعدنا جميعًا بنجاح العبور، ثم بعد ذلك بدأ الانهيار في1974، تصفية الناصرية فى 1975، وبدأ التحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية، وبدأت مصر تسير فى القطاع الخاص بدلًا من القطاع العام، وهنا بدأنا نشعر بأننا طُعِنَّا بخنجرٍ فى الظهر، بعد أن كنا فى مقدمة الثورة العالمية وتكوين العالم الثالث، مع الهند ويوغسلافيا: أحسسنا بأن كل ذلك كأنه كان حُلْمًا وضاع، ثم بدأتْ بعضُ الانتفاضات فى الشارع المصرى فى يناير 1977 ضد غلاء الأسعار، التى سُمِّيَتْ فيما بعد بـ«انتفاضة الحرامية»، وفى نوفمبر 1979 ذهب «السادات» إلى زيارة إسرائيل، وبدأت محاولات السلام معها ابتداءً من كامب ديفيد، مما أثار غضبة الاتجاه الوطنى فى مصر، سواء الحركة الإسلامية، أو الحركة الناصرية، ولما شعر «السادات» أن هناك مقاومة لمعاهدة السلام حاول أن يقضى على المعارضة فى قرارات أكتوبر 1981، وفصل أساتذة من الجامعة، وصحفيين من المؤسسات الإعلامية، وتم القبض على «هيكل»، و«الأنبا شنودة»، فبدأ الغليان، الذى أسفر عن اغتيال «السادات» فى أكتوبر 1981، ثم جاء «مبارك» بعده لإصلاح الحال، لكنه لم يكن قادرًا على العودة إلى الناصرية، بعد أن تحولتْ مصرُ إلى القطاع الخاص، ثم سارتْ مصرُ فى هذا الطريق حوالى 30 سنة، حتى ثورة 2011، عندما أُزِيحَ «مبارك» عن الحكم.

 من هذا كله: أجد أن حياتى هى مسار من الثورة ضد الاستعمار والصهيونية، إلى التعاون والتحالف مع الاستعمار، وعقد السلام مع إسرائيل وهى تحتل معظم الأراضى العربية فى فلسطين والأردن وسوريا، ولا يزال الأمرعلى مدى تاريخ حياتى هو من النصر إلى الهزيمة، ومن المقاومة إلى الاستسلام، مما جعلنى أشعر بحالة من الحزن، لأقول بين وبين نفسي: ياليت نهايتى كانت مثل «بدايتى»، مقاومةً، وانتصارًا.

 أنت قامةٌ أكاديمية، وفيلسوفٌ كبير، وقد حصدتَ الجوائز والتكريم، فى الداخل والخارج، غير أن هناك اتهامًا للفلاسفة بأنهم يهتمون بقضايا أكاديمية جدلية تنفصل عن الواقع، وأنهم لم يتفاعلوا مع قضايا المجتمع، مثل: مقاومة الاستبداد، والفقر، والجهل، والبطالة، والإرهاب؟

 هذا غير صحيح، لأن هناك من الأساتذة من شاركوا فى تطور الوعى الوطنى، والثورات الطلابية، والانتفاضات الشعبية، ودخلوا السجون والمعتقلات، وفُصِلُوا عن وظائفهم، وهناك طبعًا النموذج الذى تتحدث عنه، لكن ليس كل الأساتذة كذلك، فهناك أساتذة- خاصة الإسلاميين والماركسيين والناصريين-جاهدوا فى الشارع، ولا يزالون حتى الآن يقاومون كل أشكال الفساد، والاستبداد، والجهل، والفقر، والمرض، والبطالة، وتغييب الوعى، والاستسلام للأعداء.

 ما الذى يمكن للفلسفة أن تؤديه فى الإصلاح الفكرى الذى تنشده المجتمعات العربية؟

 الفلسفة ساهمت فى بناء ما يسمى بالاشتراكية العربية، والحياد الإيجابى، وتكوين العالم الثالث، ومنظمة شعوب آسيا وأفريقيا، ومنظمة التضامن بين شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهناك كتابات كثيرة ظهرت فى فترة الستينيات، ليست فقط كتابات، ولكن أيضاً فى الأفلام والروايات، مثل: الثلاثية لنجيب محفوظ، والأرض لعبدالرحمن الشرقاوى، كل ذلك نتيجة للنضال فى الستينيات، وبالتالى ساهمت الفلسفة فى بلورة التيار الفكرى الذى نشأ بين الكتلتين الكبيرتين، الرأسمالية، والشيوعية.

 ما تصوركم لما ينبغى أن يكون عليه شكل الخطاب الإسلامى المعاصر الذى يجمع بين مقاصد الشريعة، ويحقق مصالح العباد فى آن واحد؟

 هذا سؤال صعب، لأن الحركة الإسلامية مازالت ترث الفكر السلفى القديم، وبالتالى حتى حركات الإصلاح منذ «الأفغانى»، ومحمد عبده لم يستفيدوا منها كثيرًا، وانظر ماذا قال «الأفغانى» (عجبتُ لك أيها الفلاح تشق الأرض بفأسك ولا تشق قلب ظالمك»، ولدتْ ثورةُ الأفغانى الثورةَ العُرابية: وعندما وقف أحمد عرابى فى ميدان عابدين قائلاً للخديو «إن الله خلقنا أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا، والله لانُستعبد بعد اليوم»، كل هذه أفكار الأفغانى، لكن للأسف بعد الثورة الكمالية فى تركيا سنة 1923 حدث رد فعل فى كل العالم الإسلامى عن طريق وجود تيار عكسى، كما هو الحال عند محمد عبده، بالنسبة للأفغانى، وكما هو الحال عند رشيد رضا، الذى كتب الخلافة أو الإمامة العظمى، ردَّ فعل على أتاتورك، وثورته، وقضائه على الدولة العثمانية، وكان نتيجة القضاء على الدولة العثمانية هو توزيع ممتلكات الدولة العثمانية بين فرنسا وإنجلترا، فكان شمال أفريقيا كله وسوريا ولبنان من نصيب فرنسا، وكانت مصر والسودان واليمن من نصيب إنجلترا، وبالتالى استبدلنا بالدولة العثمانية الاستعمار الأوروبى، وما زال

الاستعمار قائمًا حتى الستينيات، والحمد لله قضينا عليه، لكن القضاء المبرم على الاستعمار مأزال فى حاجة إلى قضاء على الاستعمار الفكرى والعقلى، وإلى القضاء على الصهيونية حليفة الاستعمار، وبكل أسف لاتزال بعض الدول تتحالف مع الدول الغربية الاستعمارية، ولكن ربما تنشأ حركة تحرر عربى ثانية تقضى على الاستعمار الثقافى والفكرى، والأحلاف مع الاستعمار، وتشعر بأنك حر فى نظرتك للعالم وفى علمك وثقافتك وأن ليس كل شىء يأتى من الدول الغربية قادرًا على بذر العلم ونشر الثقافة، ولولا أن بعض العلماء هاجروا خارج مصر: لكان لمصر شأن كبير فيما يتعلق بالثقافة والعلم.

 بما أنك صاحب مشروع «التراث والتجديد» على مدى أكثر من نصف قرن: فما الركائز الأساسية التى يقوم عليها هذا المشروع؟

 هو يقوم على ثلاثة أركان:

الركن الأول: هو أخذ موقف من القدماء، حتى الآن ما زلنا نكرر القدماء، إذا تكلمت فى الفلسفة فأنت تتكلم عن الكندى والفارابى وابن سينا وابن رشد وابن طفيل، وإذا تكلمت فى التصوف فأنت تتكلم عن الحلاج وذى النون والغزالى وابن عربى وابن سبعين، باستمرار هناك قال فلان، وقال فلان، وقال فلان، المفكر العربى لايستطيع أن يفكر إلا إذا قال: قال الله، وقال الرسول، اعتمادًا على تراث القدماء، وهذا أول عيب فى الثقافة العربية وهو (التقليد)، تقليد القدماء، مع أن التراث ابن عصره، ونشأ فى ظروف خاصة كنا فيها منتصرين، أما الآن فنحن مهزومون، وبالتالى لم نشعر بمرور التراث الإسلامى من تراث النصر إلى تراث الهزيمة.

والركن الثاني: قضية التبعية للغرب، قال ديكارت، وقال كانط، وقال هيجل، أنت بدل أن تقول قال ابن تيمية، وقال ابن حزم: تغير مصدر ثقافتك، وتقول: قال ديكارت، وقال كانط، لكن المنهج واحد، وهو: الاعتماد على تراث الآخرين، مرة باسم التقليد، ومرة باسم التبعية، لكن لايوجد حتى الآن مفكر عربى قادر على أن يفكر فى عصره، لافى عصر القدماء، ولا فى عصر الغربيين.

الركن الثالث: العزلة عن الواقع: ماذا يحدث عندنا؟ ما مصير الدولة الوطنية؟ لماذا الاقتتال بيننا في: ليبيا، وسوريا، والعراق، واليمن؟ لماذا فقدنا الوحدة العربية؟ لماذا فقدنا التعاون الإسلامى؟ ولماذا فقدنا هذه الرؤية الشاملة للحياة الكريمة؟

هذه العيوب الثلاثة التى ما زلنا نحن فيها: التقليد للقدماء، والتبعية للغرب، والعزلة عن الواقع، وهذه هى الأركان الثلاثة التى قام عليها مشروعى، التراث والتجديد: إنهاء تقليدنا للقدماء، وإنهاء تبعيتنا للغرب، وإنهاء قطيعتنا للواقع.

 هناك تيارات فكرية غير إسلامية تتهم التراث بأنه سبب ضعفنا المعاصر، وسبب تخلفنا الراهن، وأنه لم يعد صالحًا للتفاعل مع علوم مجريات زمننا، لا علميًّا، ولا فكريًا، ولا أدبيًا، فما رأيك فى هذا الطرح؟

 فلننشئْ تراثًا جديدًا، من قال أن التراث هو تراث واحد لكل العصور، التراث الذى نتعامل معه هو تراث نشأ فى عصر معين، وقد انقضت سبعة أو ثمانية قرون منذ ابن خلدون حتى الآن، وما زلنا نكرر التراث القديم، وبالتالى العيب فينا، وليس فى التراث، أننا نعيش فى عصرنا، لكننا لا نزال نجتر تراث عصر مضى، الشجاعة هى أن ننتج تراثًا جديدًا، القدماء مثلًا كانوا يدفعون عن الله وعن التوحيد، نظرًا لأنه كانت هناك تيارات ثنائية، وكفرية، وشركية، وإلحادية، فانبرى القدماء بالتفكير فى وحدة الله، أما الآن من الذى يشك أن الله واحد، لكننا ما زلنا نكرر ما قاله القدماء فى إثبات أن الله واحد، أما الآن عندما نقرأ القرآن الكريم تجد ارتباط الله بالأرض (رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق)، (وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله)، فلماذا لا نربط الله بالأرض، كما فعلت اليهود فى الصهيونية، عندما قالت: أن اليهودى لايستطيع أن يعيش إلا فى أرض وهى فلسطين،وإلا فى مدينة وهى القدس،وإلا فى معبد وهو هيكل سليمان، فالله والشعب والأرض وحدة واحدة لا يمكن فصلها، أما أنتم يامسلمون فأينما تولوا فثم وجه الله، فالله ليس مرتبطًا بالأرض، فماذا أفعل أنا لكى أرد على ذلك، وأقول: أن الله أيضاً فى الإسلام مرتبط بالأرض، ومن يأخذ فلسطين فقد أخذ نصف إلهى، ولكن لو قلت ذلك الآن لا تهمت بالكفر والإلحاد، كيف تربط الله بالأرض؟ فعلت ذلك لكى أقاوم ارتباط اليهودية بالأرض، وبالشعب، وبالمدينة، ومن ثم فما زلنا فى الفلسفة نكرر ابن سينا والفارابى والكندى، ولكن الفلسفة الآن تغيرت هناك ديكارت وكانط وهيجل وهوسر فلماذا نُبقى على ما تركه القدماء وكذلك فى التصوف هل أنا مازلت أكرر المقامات والأحوال الصوفية القديمة، الرضا والتوكل والورع والخوف والخشية وأنا لست راضيًا وأنا غاضب، وأنا لا أشكر أحدًا، وأنا لست خائفًا، فإذن تحتاج المقامات والأحوال إلى إعادة بناء، ونجاح الهدف من التصوف ليس بالفناء فى الله، بل بالبقاء فى الأرض، فكتبى كلها فى هذا المعنى.

 كنت أحد المنظرين لليسار الإسلامى وأحد المفكرين العرب المعاصرين أصحاب المشروعات الفكرية العربية، فما المقصود باليسار الإسلامى، وما مهمته؟

 المقصود باليسار الإسلامي: هو إيجاد الصلة بين الليبراليين والماركسيين، فالماركسيون لهم هدف وهو التقدم والإصلاح والتوزيع الطبقى، والليبرالية لديها غاية وحرية وديمقراطية، ويتعارض التياران، فاليسار الإسلامى يأتى ويقول: سأحقق هدف التيار الماركسى فى التقدم وإعادة البناء الطبقى وتوزيع الدخول، ولكن ليس بناءً على الإيديولوجية الماركسية، ولكن بناءً على روح الإسلام فى توزيع الطبقات وفى توزيع رؤوس الأموال، والرأسمالية تقول: إنها تمتاز بأنها الديمقراطية والليبرالية والحرية، أقول: أن الإسلام قادر على أن يحقق هذه الأهداف، فإذن أنا أحقق هدفِى الليبراليين والاشتراكية عن طريق الجذور الإسلامية، وبالتالى لا يشعر الناس أنهم قد انعزلوا عن ثقافتهم الإسلامية وثقافة الناس، ولكن الإسلام هنا ليس إسلام المشايخ، وإسلام المساجد، وإسلام الشعائر، ولكنه الإسلام الذى يقوم على الحرية والديمقراطية والاشتراكية؛أي:أننى آخذ أهداف التيارين، وأحققهما عن طريق التراث الإسلامى، وليس تطبيقا لليبرالية أو الماركسية، هذا هو باختصار اليسار الإسلامى، وتلك هى مهمتُه.

 ما المقصود بشعاركم المنحوت ذاتيًا: «إن التجديد يولد من رحم التراث»، وما مبرراته؟

 أن التراث قد أصبح جزءًا من ثقافة الناس، وفى تحليل الثقافة الشعبية تجد اللهَ حاضرًا، وتجد عقائد القضاء والقدر والصبر إلخ شاخصة، وبالتالى من يريد أن يجدد: فليغيرْ ابتداءً من الموروث الشعبى، فقد أصبح التراثُ موروثًا شعبيًا، يحرك سلوك الناس، لكن لا يتم التجديدُ عن طريق استيراد نظريات من الغرب أو من الشرق، التجديد ينشأ من رحم التراث، أي: من داخل الثقافة الشعبية، التى يعيشها الناس.

 دعوتم إلى تأسيس ما أسميته «خطاب عربى إسلامى متجدد» فمَنِ المؤهلُ لإنتاج هذا الخطاب، وهل نحن فى حاجة إلى خطاب عربى إسلامى موحد؟

 فى المبادئ الأم: نعم، فالوحدة الإسلامية لها أسسها فى العالم الإسلامى، ولا أحد ينكرها، لها أسسها الثقافية ولا أحد ينكرها، فالثقافة الإسلامية قادرة على توحيد الأمة الإسلامية، فأنا مثلًا ولدت فى مصر، فأنا مصرى المولد،أي: المكان، وأتكلم اللغة العربية، فالعروبة هى اللغة، ولا أستطيع أن أنفى أننى عربى أتكلم باللغة العربية، فكل من تكلم العربية فهو عربى، حتى الأجنبى الذى يتكلم اللغة العربية هو عربى وثقافتى إسلامية، أي:أننى لو ذهبت إلى أى مكان فى ماليزيا أو إندونيسيا أحسست بوحدة الثقافة الإسلامية، فأنا أعيش وسط دوائر ثلاث، الدائرة الأولى هى أننى مصرى المولد، وبالتالى فأدافع عن الوطن والوطنية والمواطنة، وأنا فى الوقت نفسه أتكلم العربية فأنا عربى، وأتحد مع العرب بدافع اللغة، ثم إسلامى الدائرة الثالثة وهى الثقافة الإسلامية الموحدة.

 شددت فى كتاباتك على ضرورة الانتقال من(إحياء علوم الدين) إلى (إحياء علوم الدنيا)، باعتبار أن اهتمامات الخلف ليست هى اهتمامات السلف، فهل الدين عائق يحول دون إيجاد حلول لقضايا المسلم الراهنة؟

الدين بالمعنى «الغزالى» بمعنى المقامات والأحوال، بمعنى التصوف والاتجاه إلى أعلى، وليس إلى الأمام، فالدين تفهمه بطريقتين: الطريقة الأولى هو أنه حركة اجتماعية سياسية فى الأرض، وليس نداء إلى أعلى فى عالم الملائكة، وبالتالى «فالغزالى» فى القرن الخامس الهجرى كان الوقت قد ازدهر بالعلوم العقلية والعلوم الطبيعية والعلوم الرياضية، وبدأ الناس ينسون الإسلام باعتباره حركة قلبية، فجاء «الغزالى» بدعوة من نظام الملك فى بغداد لكى يحول الإسلام إلى نداء للقلوب، لكن الآن هل أنا بحاجة إلى نداء القلوب، أم إلى نداء إلى الوطن، والحركة الوطنية، والحركة الاشتراكية، والحركة الليبرالية، فلم نعد فى وقت «الغزالى» ولكننا فى وقت «الأفغانى»، وكان كل المصلحين ينقدون التصوف باعتباره أحد أسباب التخلف فى العالم الإسلامى.

 لكم مؤلف بعنوان «من الفناء إلى البقاء» يحمل مضمونًا عن الصوفية، فما موقفكم من التصوف، وما نظرتكم إلى التجربة الصوفية؟

 موقفى من التصوف، والتجربة الصوفية يتضمن أسئلة منها:

أولًا: ما الغاية من التصوف؟ هل الغاية الفناء فى الله، أم الغاية البقاء فى الأرض، وإكمال حركة التحرر الوطنى؟ هل الغاية أن أصعد إلى أعلى، أم الغاية أن أتجه إلى الأمام؟ هذا أولًا.

ثانيًا: هل الغاية أننى أحول الإسلام إلى مقامات وأحوال، مقام الرضا، والتوكل، والشكر، والخوف، إلخ، وهى

مقامات سلبية، أم أن أقيم تصوفًا يقوم على مقامات وأحوال جديدة، مثل: الرفض، والمعارضة، والثورة، والاعتراض، بدلًا من المقامات والأحوال السلبية القديمة؟

 هل تؤمن بنظرية المؤامرة من العالم الغربى ضد الإسلامى؟ وكيف ترصد موقف أمريكا من العالم الإسلامى؟

 بطبيعة الحال هناك مؤامرات ضد العالم الإسلامى، كما حدث فى العراق، وفى سوريا، وفى اليمن، وفى ليبيا، وفى العالم الإسلامى، بما فى ذلك أن الدولة الوطنية مازالتْ غيرَ واعية لأساليب التآمر حولها، التآمر حول سوريا لاقتطاع الجولان وإعلان أن «الجولان» أصبحت جزءًا من إسرائيل، والتآمر حول القدس وإعلان أن القدس أصبحت عاصمة لإسرائيل، والتآمر ضد العراق، فالعراق تتكون من سُنة، وشيعة، وأكراد، وبالتالى هناك خطر يهدد الوحدة الوطنية، وكذلك فى اليمن هناك خطورة الشقاق بين الحوثيين والشوافع،وكأن الوطنية اليمنية قد غابت، بصرف النظر عن الطائفية، فهناك مؤامرات باستمرار، مثل الذى حدث لاقتطاع تركيا لواء الإسكندرونة من سوريا، إذن لايعنى أن المؤامرة خارجية فقط، بل هى أيضاً داخلية، نظرًا لعدم انتباه الشعب العربى داخل كل الوطن، والدولة التى لاتحمى نفسها من الداخل ضد المؤامرات تصبح هدفًا للتآمر الخارجى.

 ما زالت العلمانية تثير حساسية الكثيرين فى عالمنا وواقعنا المعاصر، فما رؤيتكم، وهل ترون فيها مخرجًا مما نعانيه الآن من أزمات؟

نعم، إنها تثير حساسية لأنها علمانية غربية، لكن العلمانية هى روح الإسلام، فالإسلام ليس دينًا بمعنى الشعائر والعبادات ولكن بمعنى مقاصد الشريعة، مثلًا: إن الشريعة قد وُضِعَتْ ابتداءً للدفاع عن المقاصد الخمسة، الدفاع عن الحياة، والعقل، والنفس، وعن العرض أي: الكرامة، وعن المال أي:الثروة الوطنية، هل هذا دين أم علمانية؟

جاءتْ لنصرة المظلوم من الظالم، هل هذا دين أم علمانية؟

جاءت لإعطاء الفقير حقه من أموال الغنى هل هذا دين أم علمانية؟

فإذن الناس لها حساسية ضد العلمانية الغربية ولكن لو استطاعوا فهم العلمانية من داخل الإسلام لما اعترضوا عليها.

 هل صراع الحضارات قائم على صراع الأصوليات؟

 هذه هى الأفكار الغريبة التى تنتشر فى الغرب الآن، حول صراع الحضارات وصراع الإيديولوجيات، نظرًا لانتهاء عصر الاستقطاب بين الشيوعية والرأسمالية، لكن ما دخلنا نحن فى هذا الموضوع، (صراع الحضارات) نحن أمة واحدة، حضاراتها متجاورة، وبالتالى هل هناك صراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية والحضارة اليهودية فى المنطقة عندنا؟ هل هناك صراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الأفريقية فى وسط وجنوب أفريقيا؟ هل هناك صراع حضارات بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الإسلامية التركية فى شمال البحر الأبيض المتوسط؟

إن الغرب نظرًا لعصر الاستقطاب بين الرأسمالية والاشتراكية بدأوا يثيرون موضوع صراع الحضارات، وهو فى الحقيقة صراع الإيديولوجيات، صراع الاقتصاديات، ونحن ننقل كل ما يأتينا من الغرب وكأنه حقيقة شاخصة لدينا!

 فى موسوعتك «من النقل إلى العقل» طرحت سؤالًا مهمًّا وهو: هل يمكن لعقلانية عربية مستمدة من العقلانية الغربية أو الرياضية ومقلدة لها أن تنجح، بينما العقلية العربية مغروزة فى العلوم النقلية، فماذا تقصد؟

 إن التيار العقلى تيار موجود فى كل حضارة، بعد نضالٍ طويلٍ، كما حدث فى الغرب، منذ ديكارت، وما بعد ديكارت، قبل ديكارت كان الناس يقولون: قال أرسطو، أو قالت الكنيسة، بعد ديكارت كانوا يقولون: قال العقل، فلدينا خمسة علوم نقلية، يخشى كل مفكر من الاقتراب منها، وهى علوم القرآن، والحديث، والتفسير، والسيرة، والفقه، لا أحد يجرؤ على الاقتراب من هذه العلوم النقلية الخالصة، مع أننا فى علم الكلام، والفلسفة، والتصوف، وأصول الفقه: جمعنا بين العلوم النقلية والعلوم العقلية، فليحاول هذا الجيلُ أن يحول العلوم النقلية الخالصة إلى علوم نقلية عقلية، خاصة أن العلوم النقلية لها أثر كبير فى المساجد، ووسائل التواصل الاجتماعى، والقنوات الفضائية، وبالتالى مهما حاولت الدعوة إلى العقلانية، إلا أن العلوم النقلية مازالت هى الطاغية.

< الدكتور نصر حامد أبوزيد وهو أحد تلاميذك قال فى كتابه: «نقد الخطاب الدينى» إنك فى أحد أبحاثك انتهيت إلى تقديم الواقع على الوحى مما سبب هجومًا حادًا عليك، وعدُّوا ذلك مروقًا من الدين، فما ردك؟

 إن أسباب نزول الوحى: هى مجموعة من الاستجابات، أو مجموعة من الإجابات، على مجموعة من الأسئلة، مثل: (ويسألونك عن الأنفال)، (ويسألونك عن المحيض)، (ويسألونك عن الأهلة)، (ويسألونك عن الجبال)، هذه الأسئلة كان يفرضها الواقع، فجاء الوحى يجيب عن هذه الأسئلة، فالأولوية للسؤال على الجواب، هل يعنى ذلك إنكار الوحى، الوحى لايأتى إلا بعد السؤال وليس قبل السؤال، وهذا لايقلل من شأن الوحى، بل يزيد من عظمته.

أدنت المنهج الأشعرى بحسبانه يمثل اليمين الدينى، بالرغم من أنك تعلن انتماءك له فى أحد مؤلفاتك، ورغم ذلك تنتقده أيضاً،وتنتصر للمعتزلة، وتعدهم يمثلون اليسار الإسلامى فما تفسير ذلك؟

 لم أعلن أننى أنتمى إلى الأشعرية بأى حال، فأنا أنقد الأشعرية وأدافع عن المعتزلة، قدر الإمكان، فلو قرأتَ كتب «من العقيدة إلى الثورة» لعلمتَ أننى أدافع عن المذهب المعتزلى، لأن الأشعرية هى الفكر الدينى المحافظ، هى نظرية فى الذات الإلهية، لكن المعتزلة لديهم الأصول الخمسة، التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فأنا أنقد الأشعرية التى دافع عنها «الغزالى»، ضد المعتزلة، فأمات التيار الاعتزالى، وسيطرتِ الأشعريةُ على الثقافة الدينية، حتى لم يعد أحد قادرًا على الخروج عن التفكير الأشعري!

 ماذا عن رؤيتك للتيارات الفكرية فى العالم العربى والإسلامى فى العصر الحديث؟

 منذ القرن الثامن عشر نشأت فى العالم الإسلامى ثلاثة تيارات فكرية واختيارات سياسية مازالت مستمرة حتى الآن:

الأول: التيار العلمانى الذى نشأ فى الهند، عند السيد أحمد خان، بعد أن قضت بريطانيا على إمبراطورية المغول، وأصبح «النموذج الأوروبى» هو النموذج الوحيد للتحديث، واستمر هذا التيار فى الوطن العربى خاصة عند بعض المهاجرين الشوام إلى مصر، مثل: شبلى شميل، وفرح أنطون، ونقولا حداد، ومن المصريين سلامة موسى، وإسماعيل مظهر، وزكى نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وهو تيار يتبنى سيآسيا الليبرالية، أو اللامركزية، أو التعددية السياسية، أو العلمانية، أسوة بالنظام السياسى الغربى.

والثاني: التيار السلفى، كرد فعل على التيار العلمانى، فالانبهار بالجديد ينقلب إلى الدفاع عن القديم، وتقليد الغرب الحديث يؤدى إلى تقليد القدماء.

والثالث: التيار التجديدى الذى نشأ فى مصر فى مدرسة الأفغانى؛ الذى هاجر إليها واستمر فيه تلاميذه من بعده، مثل: محمد عبده.

ومن ثَمَّ نشأ طرفان ووسط، طرفا العلمانية والسلفية، ووسط، وهو: تيار التجديد، وكانت الاختيارات الثلاثة معروضة على العالم الإسلامى، ووقعت أحداث حتمت هذا الاختيار أو ذاك، فلما صاغ الأفغانى الإسلام فى العصر الحديث فى شعار: الإسلام فى مواجهة الاستعمار فى الخارج والقهر فى الداخل، تبنى الضباط المصريون الشعار بقيادة أحمد عرابى، وجاء الإنجليز واحتلوا مصر فى عام 1882م، بعد هزيمة العرابيين العسكرية، بذريعة حماية سلطان مصر، والدفاع عن نظام الخلافة، فخشى محمد عبده من عواقب الثورة السياسية، ومناطحة السلطة السياسية والانقلاب عليها والخروج على الحاكم، فآثر التغيير الاجتماعى، وإصلاح المحاكم الشرعية ونظام التعليم، والقضاء على العادات الاجتماعية المسيئة، فلما قامت الثورة الكمالية فى تركيا بقيادة مصطفى كمال، ونجح العلمانيون فى الاستيلاء على الحكم: خشى رشيد رضا، تلميذ محمد عبده الأثير، من أن يتكرر النموذج التركى فى باقى أرجاء العالم الإسلامي: فعاد سلفيًّا، كرد فعل على العلمانية، وارتد التجديدُ مرةً ثانيةً إلى الوراء.

 هل ترى أن الإسلام السياسى هو السبب فى تخلف العرب وتقدم غيرهم؟

 لا أبدًا، الإسلام السياسى هو مصطلح يعنى ارتباط الدين بالسياسة.

فى الجزائر: ما الذى ساعد على تحرير الجزائر: الماركسية أم الليبرالية أم هو الإسلام؟

هو جريدة المجاهد، هو جميلة أبوحريد.

ما الذى ساعد على تحرير جنوب أفريقيا؟ هم المسلمون.

فالإسلام حركةُ تحررٍ وطنى، والذين يحولون الإسلام إلى شعائر، وحدود، وكفارات -كما نفعل نحن هذه الأيام- من قطع اليد، والصلب: فإنهم يقضون على الإسلام، لكن الإسلام الحقيقى هو حركة تحرر وطنى للشعوب المستعمرة، وهو ما حدث فى التاريخ.

 إذن لماذا تخلف العربُ وتقدم الآخرون؟

 لو كان هناك مفكر غربى يعيش فى عصر ابن خلدون لسأل السؤال نفسه معكوسًا، وهو: لماذا تقدم العربُ وتخلَّف الآخرون؟!

إنها مراحل، ففى المراحل الأولى أبدعنا ثقافةً وعلمًا وحضارةً، بعد أن تعلمنا من اليونان، والرومان، والفرس، والهند، وترجم الغربُ عنا، ذلك فى أوائل العصر الوسيط؛فى القرن العاشر، والحادى عشر، وظهرت الرشديةُ اللاتينيةُ فى الغرب، حيثُ تحكَّم العقلُ فى العقائد وكنا سبب النهضة الأوروبية، بما فى ذلك الإصلاح الدينى عند مارتن لوتر، الذى كان معجبًا بالإسلام، وتعلَّم العربيةَ لكى يقرأ القرآن!

إذن الذى يقول: لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ يتحدث عن المرحلة الحالية، لماذا تخلفنا بعد أن تقدمنا وتقدم غيرنا بعد أن تخلفنا؟

والسؤال الأهم هو: لماذا تأخر الإبداع الفكرى العربى رغم صلتنا بالغرب منذ أكثر من 200 سنة، منذ الشيخ حسن العطار، والطهطاوى، وما زال أكبر حدث لدينا هو مشروع الألف كتاب الأولى والثانية، ثم تأسيس المركز القومى للترجمة فى القاهرة وبيروت، والمقصود هنا هو الإبداع الفكرى لا أتكلم عن الإبداع الأدبى، وتبقى القضية هى اعتقادنا أننا بالترجمة يمكننا أن نلحق بالركب، والغرب يقول لنا: مهما ترجمتم فإن إيقاع الفكر لدينا أسرع بكثير، ومن ثَمَّ فالمسافة تتسع، إذن الدرس الذى نأخذه من القدماء أنه حدثت ترجمة للفلسفة اليونانية فى القرن الثانى، وفى القرن الثالث ظهر الكندى، وبعد ذلك بدأ الفلاسفة يشرحون ويكتبون ويؤلفون من دون الإشارة إلى أرسطو أو غيره، فلماذا تأخر الفكر العربى رغم أننا ما زلنا نترجم، هل عدم الثقة بالنفس؟ هل الإحساس بالدونية أمام الغرب؟ هل لأننا تخلينا عن الاجتهاد وذهبنا إلى التقليد؟ كل ذلك وغيره وارد!

 كيف قرأتَ تجربةَ جماعة الإخوان المسلمين فى الحُكم؟

 للأسف كانت تجربةً سيئة، لأن الإخوان لم يتعودوا على الحكم، الحكم له أصوله وقواعده، نشاط الإخوان أكثر جدية فى إنشاء المستشفيات، والمدارس، والنوادى أي: الخدمة الاجتماعية، حتى يصلوا إلى الحكم من أسفل، وليس عن طريق التصادم مع تيارات أخرى، وهناك تيار فى الإخوان يقول مثل هذا القول، وهو: أن الإخوان ليسوا ممهدين بعد للحكم بمفردهم، لايعرفون معنى الحكم الائتلافى، كما كان يقال بعد نجاح محمد مرسى مشاركة لا مغالبة، وبالتالى فإن عيب محمد مرسى أنه أراد أن يحكم بمفرده.

 بعد هذا المشوار الفكرى بماذا ترد على من اتهموك بترويج الإلحاد، وبالدعوة إلى العلمانية، وأنك أنكرت الذات الإلهية ووصفتَ القرآن الكريم بأنه «سوبر ماركت» به كثير من المتناقضات؟

 لا، لقد كان ذلك فى سياق ضرب الأمثال، فانتزعوا الجملة من سياقها!

إن ضرب الأمثلة جزءٌ من الأسلوب القرآنى، فالقرآن يضرب المثل بالبعوضة، وكان ذلك فى حوار مع أحد الصحفيين عندما كنت أقول أن القرآن حوى كل شيء، وقال لى أنه لايفهم ما أقول، أقول له أن القرآن قال: «وكل شىء أحصيناه» و«ما فرطنا فى الكتاب من شىء» فهناك عدة آيات تجعل القرآن حاويًا لكل شىء، فقال لى لا أفهم فأردت أن أضرب المثل، وأقول له: وماذا عن السوبر ماركت الذى به كل شىء، لو أردت أن أشترى أى شىء فلأذهب إلى «التوحيد والنور»، أو «كارفور» أو أى متجر من هذا القبيل، فما العيب فى ذلك؟ إنه مجردُ ضربٍ للأمثال.

 أنهيتَ مؤلفك «ذكريات» بعبارة «أتمنى أن تعفو عنى فى جميع من آذيتهم، عن غير قصد، وأعود إليك صافيًا، مثل آدم ومحمد.. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» فهل هذا إقرارٌ بأنك أخطأتَ مسيرتَك ومشروعَك الفكري؟

 لا، بل هذا تواضعٌ، وما العيب فى أن أنهى كتابى بهذا، فلربما أنا أخطأتُ فى شيء وأنا أعتمد على ذاكرتى، فهذا نوعٌ من التواضع، والاعتراف بالحق فضيلة، أما الذين يأخذون مثل هذه الجملة، ويقفون عليها، ويحكمون بأننى اعترفتُ بأننى أخطأت فى (كذا وكذا وكذا) فهذا هو التصيد خارج السياق، ولا عبرة به.

 ما أحدث إسهاماتُك فى الفكر الفلسفى؟

 إن آخر مؤلفاتى فى الفكر الفلسفى -لم يطبع بعد- وهو التفسيرُالشعورى للقرآن الكريم، ما زال يُجمع على الحاسوب، لأننى أردت بعد التفسير الموضوعى أن أكتب التفسيرَ الشعورى، كيف يستطيعُ الإنسان أن يُفسر القرآنَ شعوريًا، أي: بما يشعرُ به تجاه الآيات المتطابقة مع التجربة الحياتية.

وكذلك فإننى الآن أُعِدُّ كتابًا عن (الثقافة الشعبية والتفكير الديني)، وكيف أن التفكير الدينى تغلغل فى الثقافة الشعبية، وفى الأمثال، وفى الأغانى، وفى الأشعار، وأصبح مكتوبًا على ظهر المركبات، فهذا هو الذى أكتبه هذه الأيام، وأرجو أن أنتهى منه آخر هذا العام الميلادى.

 أخيرًا: هل من رسالة تريد توجيهها إلى قُرَّائِكَ، ومتابعيك؟

 أقول: إن (التراث والتجديد) موجَّهٌ إلى العلماء، وهناك كتب أخرى موجهةٌ إلى المثقفين، مثل: قضايا معاصرة، هموم الفكر والوطن، حصار الزمن، وهناك كتبٌ ثقافيةٌ سياسيةٌ موجهةٌ إلى الشعب، مثل: الدين والثورة فى مصر، ومن منهاتن إلى بغداد، وجذور التسلط وفقد الحرية، والثورة المصرية 2011 حتى الآن، فى جزءين، فهذه الأخيرةُ كتاباتٌ شعبيةٌ، حتى أُحولَ الفكرَ الفلسفى إلى فكرٍ شعبى.

أهم الاخبار