رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

استراتيجية الصين الكبري للشرق الأوسط (1-2)

تحت هذا العنوان نشرت مجلة «السياسة الخارجية» الأمريكية في 26 يناير مقالا بقلم «چاك لوفت» يشرح سياسة الصين بالنسبة لمنطقتنا، ونظرا للأهمية القصوى للصين كقطب عالمى يواجه مع روسيا العدوانية الاستعمارية الأمريكية، وأهمية هذه المواجهة لمستقبل منطقتنا باعتبار روسيا والصين الصديقين القادرين على مساعدتنا فى مواجهة أمريكا والاستعمار الغربى فإننا ننقل هذا المقال المهم لقارئ «الوفد».

يقول «لوفت» إنه فى بداية سنة 2016 لم تكن الفرص جيدة بالنسبة لما أصبحت فيما بعد إحدي أهم رحلات رئيس الصين «جينبينج» العالمية. فإعدام الفقيه الشيعى «باقرالنمر» صوت الأقلية الشيعية فى السعودية وما تلاه من قطع العلاقات بين إيران وعدة دول سنّيّة جاء في وقت غير مناسب لـ«جينبينج»، فرحلته الأولي للشرق الأوسط كان مقررا لها أن تشمل مصر والسعودية ودولة الإمارات العربية، وكلها دول ذات أغلبية سنّيّة وزيارة قادة سنيين فى وقت توتر شديد مع إيران الشيعية يمكن أن يعطي الإيحاء بأن الصين تفضل أحد أهم مذهبين إسلاميين على الآخر، مما يهدم سياسة الصين منذ مدة طويلة بالحياد الصارم فى الشرق الأوسط.

ولكن تأجيل الزيارة للمرة الثانية خلال أقل من عام قد تكون له نتائج أيضا، فالصين قد ألغت زيارة مماثلة كان محددا لها ربيع سنة 2015، بعد قيام السعودية على رأس حلف من الدول السنيّة بالهجوم على اليمن ضد الحوثيين الذين تساندهم إيران باعتبارهم شيعيين، ومنذ أصبح رئيسا للصين قام «جينبينج» بزيارة كل مناطق العالم تقريبا بخلاف الشرق الأوسط ونفس الشىء فعله رئيس الوزراء «ككو يانج»، ولذلك فتأجيل آخر للزيارة قد يعنى أن مثيرى الشغب فى المنطقة قادرون على إفساد سياسة الصين الخارجية، ولذلك قرر «جينبينج» استخدام الأزمة فى العالم الإسلامى كفرصة لرفع الستار عن استراتيجية الصين الجديدة للشرق الأوسط، وهى سياسة تتضمن خروج الصين من دور التهميش واقتحامها لمياه الشرق الأوسط المليئة بالعواصف.

كانت أسابيع مليئة بالعمل بالنسبة لسياسة الصين فى الشرق الأوسط. فخلال الأسابيع الماضية وحتى قبل إعدام «النمر» فى السعودية حاول «جينبينج» إيجاد طرق لدخول الصين فى الأزمة السورية، فدعا كلا من وزير خارجية سوريا «وليد المعلم» وقائد المجموعة السورية المعارضة المكونة للتحالف السورى المعارض إلى زيارة بكين لاجتماعات على مستوى عالٍ للوصول لحل سلمى وكان هذا يعنى خروجا على سياسة الصين الماضية بتأييد «بشار الأسد» وفى 13 يناير أذاعت الصين سياستها للعالم العربى وكان مستندا غير صريح ولكنه يتضمن شرح  مصالح الصين فى السرق الأوسط، وبعد الهجوم على سفارة السعودية فى طهران أرسل الرئيس الصينى نائب وزير خارجية «زانج مينج» لكل من طهران والرياض داعيا الطرفين للتهدئة، كما أعاد ترتيب جدول رحلته مستبدلا زيارته للإمارات بزيارة غير متوقعة لطهران، وبذلك كان أول رئيس أجنبى يزور إيران بعد رفع العقوبات الغربية عنها، وحتى يوازن سياسته قدم للسعودية ترضية بإعلان تأييده لها فى مساندة سيادة الحكومة اليمنية التى تساندها السعودية فى حربها ضد الحوثيين المدعومين من إيران.

قد تدهش هذه الدبلوماسية النشطة جدا هؤلاء الذين اعتادوا على تجنب الصين  التدخل فى شئون المنطقة، وقد يقول البعض إن كل هذه التحركات الصينية  تكتيكات هدفها الحصول على فرص اقتصادية للصين من الطرفين، وقد يكون هذا صحيحا بعض الشىء ولكن من الخطأ اختصار التحرك الصينى مؤخرا إلى البحث عن فرص اقتصادية فقط.

فقد أدركت الصين أن الشرق الأوسط من الأهمية بما يجعل تركه للقوى الأخرى خطرا على الصين، فلم تعد الصين مستعدة للجلوس خارج الملعب ومشاهدة المنطقة تنزلق نحو الفوضى، فقد شعرت الصين لعدة أشهر أن أمريكا وهى تقترب من انتخاباتها الرئيسية وتغرق فى بترولها الأمريكى لم يعد لها نفس الاهتمام فى الشرق الأوسط بمستوى اهتمامها طوال النصف قرن الماضى. كما أن علاقة أمريكا حاليا بكل من السعودية وإيران من التوتر لدرجة لا تجعل منها وسيطا أمينا بين  الطرفين.

 

<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< 

 

والأكثر أهمية أن روسيا قد طورت راية الحياد بالنسبة للشرق الأوسط  التى اتبعتها منذ سقوط الاتحاد السوفيتى. كان لروسيا فى الماضى علاقات طيبة مع كل من السعودية وإيران ولكن بدخولها فى الحرب الأهلية فى سوريا، فإن روسيا رغم أن معظم المسلمين من السنّة تحيزت للشيعة، ولم تعد تستطيع التمتع بثقة السنّة وحيث إن كلا من أمريكا وروسيا لم تعودا قادرتين على التوازن بين السعودية وإيران، فإن الصين التى لديها علاقات طيبة مع الجانبين يزداد الإغراء لديها لملء الفراغ.

هناك عدة أسباب للقلق الصينى من الخلاف السنّى الشيعى، حيث إن الخليج الفارسى موطن جزء مهم من النفط العالمى، فهو ذو أهمية حيوية لحاجة الاقتصاد الصينى للطاقة  وبينما ينعم العالم الآن بأسعار طاقة منخفضة للغاية، فقد يتغير هذا الوضع لو أدت المواجهة بين السعودية وإيران إلى التصاعد، ربما يكون الشيعة أقلية بين مسلمى العالم، ولكنهم  أغلبية فى منطقة الخليج البترولية، فلو اندلعت حرب بين إيران والسعودية وحلفائها تؤدى لتدمير المنشآت النفطية، فقد يتصاعد سعر النفط إلى عنان السماء ويؤدى لضرر بليغ للاقتصاد العالمى، وحيث إن نصف واردات الصين من الطاقة تأتى من الخليج، فمثل هذه الأزمة قد تضرب الاقتصاد الصينى أكثر من أى اقتصاد كبير آخر، فرغبة الصين فى رؤية شرق أوسط خالٍ من التوتر الطائفى، تكوّن لب سياسة الصين فى القرن الـ21. فمشروعها لطريق الحرير للربط بين الصين وقلب أوروبا بشبكة تجارية وشبكة مواصلات مسألة حيوية للصين لإنعاش الاقتصاد الآسيوى وخلق أسواق جديدة للمنتجات والخدمات الصينية، وهذا المشروع هو أكبر مشروع تنمية فى تاريخ العالم، وقد رصدت له الصين مليارات الدولارات، ولذلك فشرق أوسط قلق يهدد هذا المشروع، وفى غيبة وجود علاقات سياسية بين السعودية وإيران فإن انفتاح الصين على الطرفين ميزة كبرى للصين، حيث تستطيع استخدام مشروع طريق الحرير لخفض التوتر وتسويق مشروعات اقتصادية، تفيد السنّة والشيعة مثل خط أنابيب بين إيران وباكستان السنّيّة ودول الإسلام السنّيّة وسط آسيا مثل كازاخستان وأوزباكستان تستفيد جدا من ربطها بالخليج بقطار فائق السرعة، وتستطيع الصين مساعدة إيران فى دخول منظمة تعاون شنغهاى التى تضم أعضاء دول سنّيّة أساسا.

وقانون مكافحة الإرهاب الجديد فى الصين، يسمح لها بإرسال قوات محاربة الإرهاب خارج حدودها للدول التى تطلبها، كما تستطيع الصين المشاركة فى أى حلف دولى لمحاربة «داعش» كما تستطيع المساعدة فى بناء مفاعلات نووية سلمية فى الدول السنّيّة التى تخشى مشروع إيران النووي.

لن يرتاح الجميع لدور الصين الجديد فى الشرق الوسط، خاصة أمريكا التى اعتادت الانفراد بالنفوذ فى المنطقة، ولكن مع تصاعد التوتر فى المنطقة وصعود تيار العزلة داخل أمريكا فعليها الترحيب بسياسة الصين الجديدة ورحلة رئيس الصين المنتظرة لأمريكا فى مارس المقبل لحضور مؤتمر الأمن النووى، هى فرصة ليستعرض الطرفان كيفية التعاون لحل مشكلات الشرق الأوسط، لقد قال «تشرشل» مرة إن ثمن العظمة هو الاستعداد لتحمل المسئولية، وحيث إن الصين تتجه نحو العظمة  فإن استعدادها لدفع الثمن سيكون موضع اختبار فى المستقبل القريب.

وإلى هنا ينتهى هذا العرض المتميز لسياسة الصين المستقبلية، خصوصا نحو الشرق الأوسط، وغنى عن البيان أن الصين وروسيا وتعميق العلاقة بينهما هو أمل العرب فى الوقوف فى وجه المخططات الإجرامية الاستعمارية لتدمير دولنا وتحويلنا إلى «كانتونات» طائفية وعرقية ودينية متعادية ومتقاتلة، ويكفى هنا أن نذكر أنه لولا التدخل العسكرى الروسى فى سوريا، لتحولت إلى دولة فاشلة تماما على غرار اليمن والصومال، ولاجتاحتها تركيا لحساب سادتها فى الغرب، ولتحقيق حلم الخليفة الحالم «أردوغان».. ونأمل من أعماقنا أن تكون الصورة واضحة أمام العرب.

 

الرئيس الشرفى لحزب الوفد