رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اسمحوا لى

التخلى؟

ظلت جدتى الصعيدية لا تتحدث إلا اللهجة الصعيدية، وهى التى عاشت أغلب سنين عمرها فى القاهرة، وحينما كنا ننتقد لهجتها فى طفولتنا كانت تزجرنا وتقول حكمتها الشهيرة (اللى يغير لغوته يغير دينه).. يا خبر إلى هذا الحد التمسك باللهجة واللغة يتساوى مع أقدس المقدسات وهو دين الإنسان؟

والآن أعيش فى بلد تخلى عن كل ما كان يميزه، ويتخلى ببساطة عن هويته، المذيعون والمذيعات المصريون اتحكم عليهم بتعطيش الجيم من الإخوة العرب حبايبنا؟ ملابسنا الشعبية استبدلها الشعب بالحجاب الخليجى الأسود، واختفت من حياتنا الجلابية الفلاحى المزركشة بالألوان والمنديل أبوقوية والطرحة المنسدلة فى جمال وبهجة، والجلابية الرجالى المصرية والصديرى حلت محلها الجلاليب البيضاء المحذقة الخليجية المستوحاة من الباكستانية، وتم تحريم السبوع الفرعونى المصرى الأصيل بالعروسة، وأقمنا العقيقة بدلا منه، مع العلم أنهما لا يتعارضان، واختفت من الجنازات الخشبة المصرية الملفوفة والمصنوعة فى فن بديع حينما تكون بيضاء فترمز للعروسة أو رجل كبير فيعلق فيها طربوش وشاهدنا خشبة فقيرة، وتخلينا عن الراقصة فى الأفراح وحل محلها رجال يرتدون «أمساخ» يدقون الدفوف بشكل زاعق، ويغنون بأصوات منفرة تعطى إحساساً بدخول حرب وليست حياة جديدة؟

وعاملت الدولة السينما أسوأ معاملة، فأممتها ثم تركتها وأصبحت تعاملها كالملاهى الليلية وتركتها فريسة للسرقات الإلكترونية والسطو على الأفلام من دور العرض لتنتشر فى القنوات والنت وتخلينا عن تراثنا السينمائى بتراب الفلوس، لغير المصريين يلعبون فيه أو يقطعونه أو حتى يخفوه، وظهر مصطلح السينما النظيفة، وأفلام لا تخجل منها الأسرة، وخاف الفنانون فقدموا سينما تخضع لرغبات الموزع الخليجى إلا قلة شجاعة قليلة قاومت هذا الفكر، والآن الجميع يتحدث عن أزمة السينما المصرية، ويشيد بالسينما الوليدة فى البلدان العربية؟ وتكلس مهرجان سينما القاهرة بين سيطرة ومكاسب البعض، وبيروقراطية وزارة الثقافة، فى الوقت نفسه الذى اهتمت بلدان أخرى حولنا بإقامة مهرجانات سحبت السجادة الحمراء فقط وسحبت صناع أفلامنا الذين أصبحوا حريصين على عرض أفلامهم فى هذه المهرجانات قبل مهرجان بلدهم؟ وتخلى مطربونا عن شركاتهم المصرية من أجل المادة، فاختفت حفلات النجوم المصريين من صيف القاهرة واختفت ايضاً من على الشاشات المصرية.

أما المسلسلات التليفزيونية فقد رمتها الدولة للقطاع الخاص الذى تتحكم فيه الإعلانات فكانت الكارثة والمنافسة غير الشريفة مع المسلسل الميكسيكى ثم التركى المدبلج باللهجة السورية ثم الهندى المدبلج باللهجة الخليجية، وتركنا أطفالنا تحت رحمة ثقافات أخرى لا تنتمى إليها.

لن أتحدث عن المسرح، فوضعه على الشاشات يشرح إلى أى حد وصلنا. لقد تخلينا عن هويتنا ولم نعرف من نحن فكان التخلى عن الأرض يسيراً بل ووجد من يدافع عنه بيننا.. ياللهول!