رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محاولة لإنقاذ الدراما المصرية (2-2)

 

النقد الموضوعي قاطرة التطوير

الدراما قوة مصر الناعمة.. موارد اقتصادية هائلة

 

 

 

حول مقال الاسبوع الماضي عن أزمة الدراما المصرية حاورني عدد من الأصدقاء المهتمين بأمر هذه الصناعة المهمة، الجميع أبدوا تخوفهم من انهيار وشيك لهذه الصناعة، وانسحاب المنتجين المصريين لصالح شركات لديها أموال ضخمة بعضها غير معلوم المصدر ويرى كثيرون أن هذه الشركات لديها مخطط محكم للسيطرة على الانتاج الدرامي العربي، واستثمار هذه الاحتكار للترويج لأفكار وتوجهات سياسية واجتماعية أكثرها يصب في صالح سياسات وتوجهات فكرية وسياسية واجتماعية تعادي الكثير من التوجهات الفكرية والسياسية المعنية بالمصالح العليا لمصر خاصة وللتوجهات القومية العربية عامة.

ولفتني في الحوار أن بعض الأصدقاء توقف طويلاً أمام الدور السلبي الذي تلعبه المجلات المصرية المتخصصة في الفنون وأيضاً الصفحات المعنية بالفنون عامة وبالنشاط الاذاعي والتليفزيوني في الصحف اليومية والاسبوعية.

الموضوع بدا لي وكأنه يكمل مقال الأسبوع الماضي ويستحق أن أقدم مضمون الحوار حوله بشىء من التفصيل.

 

العلاقة بين النقد والابداع

من القواعد المستقرة لدى المهتمين بالابداع في مختلف مجالاته، أن هذا الابداع - كل إبداع - يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحركة «النقدية» الموضوعية لهذا الابداع ويتأثر الإبداع سلباً وإيجاباً بتراجع أو انتعاش الحركة النقدية.

وقدم المتحاورون نماذج عملية كثيرة تثبت سلامة هذه القاعدة، استرجعنا معا فترات من انتعاش الابداع في مجال الدراما بكل أشكاله «المسرح، السينما، المسلسلات الاذاعية، والتليفزيونية» ورأينا كيف كانت الحركة النقدية في تلك الفترة حركة نشطة وثرية، وأن الصحافة الفنية كانت حافلة بالمقالات النقدية الجادة للإبداعات الدرامية آنذاك، وكانت المقالات النقدية تتصدر الصفحات المتخصصة في شئون المسرح والسينما والاذاعة والتليفزيون وكانت أخبار النشاط - وليس أخبار النجوم - هى المادة الثانوية المصاحبة للمقالات النقدية التي تمثل العمود الفقري لهذه الصفحات.

في تلك الفترة لمعت أسماء تخصصت في النقد الفني وكان للأعمال الدرامية نصيب الأسد من هذه المقالات، عرف القراء أسماء لها وزنها في هذا المجال أمثال سعد الدين وهبة ورجاء  النقاش وعبدالفتاح البارودي وحسن إمام عمر حسن شاه وجليل البنداري وأبو العلا السلاموني وغيرهم كثير من النقاد المحترمين وأخشى أن أواصل ذكر الاسماء أن تغيب عن الذاكرة أسماء محترمة ممن ساهموا بجهدهم النقدي في اثراء الحركة النقدية الفنية.

بل إن عدداً كبيراً من المفكرين والكتاب البارزين شاركوا في كتابات نقدية مهمة لأعمال درامية مثل الدكتور محمد مندور ولطفي الخولي وأنيس منصور ومصطفى أمين ومحمود عوض ومحمود سالم ويوسف الشاروني وكثيرون.

وفي هذا السياق لابد أن أسجل أن مجلة الاذاعة والتليفزيون قدمت نموذجاً رائعاً للمجلة الفنية المتخصصة التي وازنت بين الأخبار بمفهومها الحقيقي أي أخبار النشاط الفني وبين الكتابات النقدية للإبداعات الفنية خاصة ما كان منها له علاقة بالاذاعة والتليفزيون مثل النشاط الدرامي، حدث هذا عندما تولى رئاسة تحرير هذه المجلة المتخصصة الناقد الكبير الأستاذ رجاء النقاش.

في تلك الفترة ساهمت الحركة النقدية الشنطة والموضوعية في تطوير الابداع الفني خاصة في مجال الابداع الدرامي بكل صوره، وتألق مبدعون أمثال محفوظ عبدالرحمن وأسامة أنور عكاشة ومحمد علي ماهر ومحمود شعبان وعبدالفتاح مصطفي وأبو السعود الابياري وعبد الرحمن فهمي وأحمد شكري ورائد المسلسلات الاذاعية الدكتور يوسف عز الدين عيسى الأستاذ بكلية العلوم جامعة الاسكندرية.

 

مسئولية الصحافة الفنية

الحديث عن هذه القاعدة واستعراض هذه النماذج العملية قادتنا الى الحديث عن الأوضاع الحالية للمجلات المتخصصة في الفنون وللصفحات المخصصة في الصحف اليومية والاسبوعية للاذاعة والتليفزيون.

كانت المقارنة صادمة بكل ما تفنيه الكلمة، فالمجلات المتخصصة في الفنون تحولت الى مجرد «نشرات» دعائية لعدد ممن تراهم «نجوما» في مختلف مجالات الابداع الفني، وفي نفس الاتجاه سارت الصفحات المتخصصة للاذاعة والتليفزيون وللإبداع الفنية المختلفة، ومن يطالع هذه المجلات أو الصفحات نادراً ما تقع عيناه على خبر موضوعي، فالاختيار في الأغلب الأعم أقرب الى ما يتم تداوله في جلسات «النميمة» عن الحياة الشخصية للنجوم؟!! أو ذكر بعض الأحداث التي سوف يشاهدها الجمهور في المسلسلات التليفزيونية أو يسمعها في مسلسلات الاذاعة؟!!

وحتى يكتمل «الشكل» الجمالي لصفحات في المجلات أو الصحف فلابد أن تتصدر الصفحات «صور» يتم اختيارها بعناية لنجمة أو نجم في «وضع» يبرر فتنة النجمة ووسامة «النجم»؟!! وكلما ملأت هذه الصور أكبر مساحة من الصفحة كلما تصور المسئولون عن هذه الصفحات أنهم حققوا نجاحاً صحفياً؟!!

ولذر الرماد في العيون وإبراء للذمة يضع المسئولون عن هذه المجلات والصحف في زاوية صغيرة وبأصغر بنط ممكن بضعة سطور لها علاقة بالنقد في بعض الأحيان، وتبدو هذه الزوايا متناهية الصغر وكأن المسئولين عن الصفحة يريدون أن يبعدوها عن أعين القراء خشية ضبطهم وهم ينشرون بضعة سطور نقدية جادة!!

هذا الوضع المزري للمجلات الفنية والصفحات المتخصصة في العديد من صحفنا ساهم بشكل كبير في هبوط مستوى الدراما المصري بكل أشكالها، والمسرحي والسينمائي والاذاعي والتليفزيوني.

من هنا أناشد جميع الزميلات والزملاء ممن يحتلون مواقع القيادة في المجلات الفنية وفي الصفحات المتخصصة للاذاعة والتليفزيون والفنون أن يعيدوا النظر بشكل جاد في سياسة النشر الخاص بالفنون عامة وبالإبداع الدرامي خاصة، لتكون هذه المجلات والصفحات هى «القاطرة» التي تقود الدراما المصرية بحق  الى الطريق الذي حقق لها في عصرها الذهبي المكانة المتميزة والمرموقة بين الإبداعات الدرامية غير المصرية.

 

مجلة الاذاعة والتليفزيون

أما مجلة الاذاعة والتليفزيون فلديها فرصة ممتازة لتكون المجلة المتخصصة التي تساهم في تطوير اداء إعلام الدولة بشكل عام وفي تطوير مختلفة الابداعات في مجال الاعلام المسموع والمرئي، سواء منه الإبداع البرامجي أو الدرامي، وأرجو من الزملات والزملاء المسئولين عن هذه المهمة ان يراجعوا أرشيف هذه المجلة وسوف يرون كم كانت هذه المجلة معنية فعلاً بتقديم أخبار النشاط الاذاعي والتليفزيوني والموضوعات النقدية التي ساهمت بقوة في تطوير العمل الاذاعي والتليفزيوني وتطوير المواد التي تبث عبر اثير الاذاعة وشاشات التليفزيون بكل صورها وأشكالها.

ولدى هذه المجلة فرصة ممتازة لتخصص ملفات لمتابعات خبرية ونقدية للدراما الاذاعية والتليفزيونية لتساهم بدورها في عملية تطوير هذا النشاط الذي أصبح من ألوان النشاط المهم والجذاب على أثير الاذاعات وشاشات التليفزيون.

 

مسئولية المنتجين

تبقى كلمة أوجهها بكل الصدق لمنتجي الدراما التليفزيونية المراهنة على أن تستمر موجة الانحطاط والإسفاف بمنطق «الجمهور عاوز كده» هذه المراهنة خاسرة تماما، وليس هذه هى المرة الأولى التي تسود فيها موجات الانحطاط والتفاهة، ثم تنتهي هذه الموجات برفض الجماهير مواصلة هذه التفاهات.

وتعرف الأجيال التي عاصرت فترة أربعينيات القرن الماضي أن موجة مماثلة سواء كانت أقل تفاهة وانحطاطاً سادت مجال الانتاج السينمائي عندما اقتحم هذا المجال «أثرياء الحرب» الذين كونوا ثروات ضخمة خلال الحرب العالمية الثانية من التعامل مع قوات الاحتلال، وكان أكثر هؤلاء من طبقات متدنية الثقافة واقتحموا مجال الانتاج السينمائى في تلك الأيام وأنتجوا نوعيات منحطة وتافهة من الافلام كانت تعرف «بأفلام أغنياء الحرب».

وعندما تعالت موجات النقد ضد هذه النوعية من الأعمال التافهة والهابطة رفع مؤيدوها نفس الحجة «الجمهور عاوز كده» وبعد أن أنشئت مؤسسة السينما وأنتجت أفلاماً متميزة بدأ منتجو القطاع الخاص ممن لهم علاقة بمهنة السينما بدأوا في إنتاج أعمال جيدة، وتحولت الجماهير الى هذه النوعية المحترمة من الدراما.

وعندما طالبت في مقال الأسبوع الماضي بأن تتصدى المؤسسات المملوكة للدولة لتكون قاطرة إنقاذ الدراما التليفزيونية من التفاهة والانحطاط كانت تجربة مؤسسة السينما فاشلة في ذهني.

واعلم أن البعض سيقول إن القطاع العام غالباً ما يدير المؤسسات بطريقة فاشلة، ورغم أن المؤسسات القائمة يصدق على أكثرها هذا التحفظ إلا أنني أؤكد أن سوء الادارة ليس قدرا مفروضاً على مؤسسات الدولة فقط علينا أن نؤمن بأن إسناد المواقع القيادية لأهل الخبرة، وإنهاء الاعتماد على «أهل الثقة» هذا الاتجاه كفيل بأن يصل بالمؤسسات الحكومية الى ذروة النجاح.