رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ليس دفاعا عن دراما رمضان

 ثمة تعميم شائع لدى كثيرين من النقاد والكتاب والمعلقين فى الفضاء الإذاعى والتليفزيونى والإليكترونى والورقى وفى بعض الخطاب الرسمى، ينتقد بحسرة مشاهد العنف والقتل والمؤمرات والخيانات الشخصية والوطنية والادمان للمخدرات وسوء اللفظ والخلق التى انطوت عليها مسلسلات رمضان ، ويتساءل مندهشا ، هل أبطال هذه المسلسلات يعبرون عنا ؟ هل هذه الأخلاق الرديئة تشبهنا ؟وهل هذه البيوت والحوارى تماثل ما لدينا ؟ هذه وغيرها.

 اسئلة استنكارية ترفض الاعتراف بتنامى ظاهرة العنف المجتمعى البدنى واللفظى الآخذ فى النمو والتصاعد بأشكال متباينة فى بلادنا ، فضلا عن العنف الذى مازال سائدا ، بفعل اعراف وتقاليد وعادات بالية –كجرائم الثأر والانتقام للشرف والختان- فى بيئة تنعدم فيها الثقافة والتعليم ، ويفتقد الوعى ، وتغيب الخيارات المتعددة ، وتسودها الخرافات والتفسيرات الدينية الخاطئة ، فيغدو العنف هو خيارها الوحيد لحل مشاكلها. المشكلة هنا لم تكن فى انكار أن تظهرنا الدراما على بعض مانحن فيه، أو تسلط الضوء عليه ، إذ إن الهجوم على مسلسلات رمضان قد بدأ هذا العام قبل أن تعرض الحلقات الأولى منها ، بالاعتراضات التى طالت كثرة عددها ، حيث تم عرض نحو 31 مسلسلا مصريا وعدد قريب منها للمسلسلات الخليجية واللبنانية والسورية والتركية ، وحذرت الصائم من أن وقته ينبغى أن يكون محصورا فى التعبد إلى الله العلى القدير ، الذى تفسده مشاهد الحانات والكباريهات والراقصات والزوجات الخائنات ، مع أن الدراما التليفزيونية لجيل الرواد فى الثلث الاخير من القرن الماضى والعقد الأول من القرن الحالى قد امتلأت بمثل هذه المشاهد ، دون أن توصم بأنها تفسد الصيام وتروج للفساد والإدمان ولانعدام الاخلاق ، وتخلو من الترويج لمكارم الأخلاق، بالاضافة إلى أن هذه الأعمال الدرامية يجرى إعادة عرضها مرة أخرى على معظم الشاشات المصرية والعربية ،على مدار العام ،بما يسمح لمن لم يتمكن من متابعتها ، أن يفعل ذلك .! وبعيدا عن النقد الموجه للدراما الرمضانية من قبل ذوى النوايا الحسنة الباحثين فيها عن سمات الإبداع والمتعة والتسلية والفن الجميل ،والرسائل التى تحملها ، فمن غير المستبعد أن يكون تعاظم دور التيار الدينى المحافظ والرجعى فى المجتمع ،قد ساهم بنصيب وافر فى الحملات المكثفة على تلك المسلسلات ،التى تتبنى أفكارا مسطحة وهى ترتدى مسوح التدين والفضيلة ومكارم الأخلاق ، فيما هى فى الواقع تروج لبرامجها السياسية ، وأفكارها الرجعية المحافظة ، التى تعرقل الاجتهاد فى كل شىء وكل شأن، وتعادى من حيث المبدأ الفنون بمختلف ألوانها ، ويصبح من المدهش أن يلتقط هذه النظرة الأخلاقية المتزمتة ويروج لها ، بعض هؤلاء ممن يقفون فى المواقع المعادية لأفكار هذا التيار، فضلا عن عامل «المنافسة» المهنية الذى لعب دورا آخر فى تأجيج تلك الحملات ، وهو عامل لايمر موسم رمضانى دون أن يكون حاضرا بقوة للدفاع عن المكاسب التجارية !تميزت دراما رمضان هذا العام بعدد من الظواهر المهمة واللافتة للنظر، بينها اتساع مساحة التصوير الخارجى والسخاء الشديد فى الإنتاج ،الذى تجلى فى عدد لابأس به من المسلسلات بينها على سبيل المثال لا الحصر »حارة اليهود» و»وش تانى» و»تحت السيطرة «و» لعبة إبليس» و»استاذ ورئيس قسم» و»بين السريات». كما انطوت هذه الدراما على تجديد واضح فى طريقة كتابة السيناريو الذى تتالى مشاهده بسرعة وخفة عبر تفكيك وإعادة تركيب للحكاية بشكل متلاحق يتغلب على أساليب الاداء التمثيلى التقليدى الباعث على الرتابة والملل. وفى هذا السياق قدمت الدراما جيلا جديدا مبدعا فى مجالات التأليف التليفزيونى والاخراج والتصوير والموسيقى ، والاضاءة والديكور ، وتصميم الملابس والمونتاج ونخبة كبيرة من الممثلين الجدد المتفردين الذين يشكلون اضافة حقيقية – على سبيل المثال جميلة عوض ومحمد فراج- وظافر العابدين - تثبت امتلاء الساحة الفنية بالمواهب المتنوعة التى تحتاج فقط للفرصة المناسبة التى تكشف عن موهبها .سلطت دراما الموسم الرمضانى المنتهى الضوء على مواهب قديمة ، وصعدت بهم إلى مصاف النجوم، بينهم « أحمد كمال»و»هالة صدقى « و»باسم سمرة «و»سيد رجب « و«محمد رياض» و»سيمون» و»أميرة العايدى» و»هانى عادل»، كما قدمت جيلا جديدا من أمهات الدراما المتألقات ،غير جيل الرائدات بينهن «سلوى محمد على و«وصفاء الطوخى و«وماجدة منير».لكن الجانب المهم الذى لم يحظ بالاهتمام المناسب من جانب الجميع ،أن هذا العدد الكبير من المسلسلات الدرامية قد لعب دورا حيويا فى تحريك العملية الاقتصادية بعد الركود الذى أصاب الانتاج السينمائى فى السنوات الأخيرة ، وغيره من الصناعات الانتاجية ، وعلى الجميع أن يدركوا أن هذه الصناعة تفتح أبواب العمل لعشرات الألوف من الفنانين والفنيين العاملين أمام الكاميرا وخلفها، وهى لاتدر دخلا للعاملين فيها فحسب ، بل أيضا للاقتصاد الوطنى .ولا أرى نقصا فى الدراما حين يقتصر دورها على التسلية غير المضرة، التى يحيط بها الغموض والتشويق واستخدام الحيل الفنية البوليسية البارعة والمبتكرة ،كما جرى فى مسلسل «لعبة إبليس» التى دارت أحداثه فى كواليس القنوات الفضائية، وكشف عن أساليب المنافسة المميتة فيما بينها. ولم يكن ينقص المدمنون أو الراغبين فى الادمان مسلسل «تحت السيطرة « كى يتعلموا منه كيفية تعاطى المخدرات- كما يقول المحامون الباحثون عن الشهرة الذين سارعوا برفع دعوى للمطالبة بوقفه وبعض ناقديه –فهؤلاء لا تنقصهم الذرائع ، والمسلسل معالجة غاية فى الاحترافية المهنية والعذوبة ،من حيث السيناريو والاخراج والتمثيل – كتابة مشتركة للسينارست المبدعة مريم ناعوم والمخرج تامر محسن - للعالم الكابوسى المدمرللحياة وللوجدان الإنسانى وللمشاعر والروابط الأسرية لمن يستسلمون لداء ادمان المخدرت.وفى «حارة اليهود» قدم المسلسل فترة مهمة من تاريخ مصر سادت فيها علاقات حميمة بين البشر تقر بالاختلاف والتنوع الدينى ، وحتى الطبقى ،حين كانت الناس لا تقيم بعضها البعض سوى على أسس الفضائل الإنسانية . وهذا مسلسل الفنان »عادل امام» استاذ ورئيس قسم يندد بالمتاجرين بالدين وبمصالح الوطن، ويسخر من الانتهازية السياسية للآكلين على كل الموائد تقربا لكل سلطة وجنيا لأتفه المصالح وأبخسها، ومع ذلك لم يعدم من يسألونه عن الرسالة ، ومن يمتلكون الجرأة وغلظة القلب التى تطالبه بالاعتزال ،مع أنه مازال قادرا على جلب الضحكة وإشاعة روح الدعابة والسرور وخلق المفارقات الكوميدية، ومازال الوله الذى أحاط به جمهور فن عادل إمام متقدا. ارفعوا ايديكم عن الدراما التليفزيونية، وحذار من الوقوع فى براثن النظرة الأخلاقية المتزمتة والمشوهة التى تروج لها جماعات الإسلام السياسى.