رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نافذة

النصف الأعمى

مقولة للمؤلف الأمريكى ستانلى فيش هى أن «الغرض من التعليم الجيد هو الوصول لحقيقة أن هناك ثلاثة أوجه لأى موضوع له طرفان اثنان فقط».. تدفعنا هذه المقولة للتفكير فى واقع أن كل طرف فى أى قضية له وجهة نظر تعطى نصف الصورة فقط وليس كل الصورة.. ومن المفترض أن التعليم يجعلنا نتجاوز هذه النظرة الضيقة ونخرج لرحاب الصورة الأوسع التى لا تشمل أى وجه يتبناه طرف من الأطراف، بل إن الواقع هو أن هناك وجهاً ثالثاً منظوره أعم.

د. مصطفى محمود فى كتابه «أيها السادة.. اخلعوا الأقنعة» قال: «إن الرؤية من جانب اليمين مثلها مثل الرؤية من جانب اليسار.. نصف عمياء.. فكل واحد لا يرى من ناحيته إلا هواه ومصلحته ولا يبصر إلا وجه الكلمة الذى يناسبه هو يرفع لافتة كاذبة ويروج شعاراً مزيفاً.. ولكن الحق واحد.. ولقد كان دائماً واحداً.. وليس على يسار الحق إلا الباطل كما أنه ليس على يمينه إلا الباطل.. الحق واحد وليس له جانب».

هذه الرؤية المثالية للعالم الراحل تعتمد على أن الحق معروف، وأن كل طرف يتعمد أن يميل عنه يميناً أو يساراً.. ولكن الواقع أن الحق لم يعد معروفاً وصار أكثر التباساً فى أيامنا هذه.. ولذا فقد توجب أن يكون هناك أشخاص بلا هوى ومستبصرين يرون الوجه الثالث يضع فى الاعتبار نصفى الرؤية ليخلق الصورة كاملة دون تحيز أو تعنت.. ولكن هذه أيضاً رؤية مثالية لا تقف على أرض الواقع الذى يقول إن مثقفينا ومتعلمينا يرفضون هذا الدور ويفضلون تقديم النصف الأعمى من الحقيقة لهوى فى أنفسهم، أو لتحقيق شعبية فى الشارع.. وحتى الشارع أصبح شارعين، شارعاً يمين الحقيقة وشارعاً يسارها، بينما الحقيقة توارت فى حارة غير معروفة.

فى أيامنا هذه الكل يحتكر الحقيقة وما يرونه حقاً يجب أن يكون كذلك والويل لمن يمتلك الحقيقة وحده من الطرف الآخر.. حدث هذا فى الثورتين وفى الجزيرتين وفى أسباب ارتفاع سعر الدولار لأرقام قياسية، وفى ضربة جزاء فى مباراة كرة قدم.. مبارزات بين أطراف تمتلك الحجة والإثبات والبرهان ووثائق خرجت من خزائن لا ينفذ غيرهم إليها لأنهم يستطيعون أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولكنهم حقيقة لا ينفذون وليس لديهم سلطان للنفاذ.

فى مصر دائمًا ما نقول «العلام حلو» أى أن من تعلم جيداً فهذا شىء جميل.. ولكن مما أراه على الساحة واضح، إما أن «العلام مش حلو» أو أن العلام الذى حصلنا عليه «مش الحلو».. وكم كنت أتمنى أن يفضى التعليم فى بلادنا إلى وجود أشخاص يمكنهم رؤية الحقيقة كاملة وليس ما على يمينها أو يسارها، أو يمكنهم أن يحللوا الصورة كاملة وليس النصف الأعمى الذى خلق صورة كاملة وحيدة وهى أننا جميعًا فقدنا عقولنا.