رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

أنا.. وأوروبا رايح جاى «1»

ثقيلة على نفسى تلك الرحلة التى أنهيتها منذ أيام على عجالة حتى أتمكن من قضاء أيام العيد فى مصر، لأن العيد خارج مصر بلا عيد، أحاول سنوياً منذ عدت من مهجرى المؤقت بهولندا لوطنى الحبيب أن أرجئ هذه السفرية، وحبذا لو ألغيتها تماماً من حسابات أيامى، وأيضاً حسابات موازنة البيت المالية، لا تتعجبوا، فعلى مدى سنوات طويلة، سئمت حزم الأمتعة رايح.. جاى، وسئمت ساعات السفر، وإجراءات الدخول والخروج، ومطبات الهواء الجوية داخل الطائرة، والفزع الذى ينتاب المسافرين حولى من الأوروبيين، إذا ما طلب منا فجأة ربط الأحزمة بسبب عاصفة فجائية أو لأى سبب، ففيما ألتزم أنا وأولادى وزوجى الصمت وننطق الشهادتين، تعلو الأصوات والتمتمة حولنا رعباً، ويصرخ الأطفال، وترتبك مضيفات الطائرة الشقراوات وتعلو وجوههن صفرة.

رحلة مرغمة أقوم بها بين وقت وآخر، لأن أولادى ولدوا هناك، علينا إتمام إجراءات وأوراق خاصة تثبت أنهم بمراحل تعليم بمصر، وتثبت بعض حقوقهم هناك، وتثبت أنهم مؤمن عليهم صحياً وغيرها، فكما سبق وقلت فى إحدى مقالاتى، الأولاد فى هولندا أبناء الدولة ترعاهم على أراضيها من «ساسهم لرأسهم» حتى ينهوا تعليمهم الإلزامى «وهو التعليم الجامعى الآن»، وأن تتأكد الدولة من رعايتهم إذا ما سافروا خارجها، حتى لو كانوا من أصول أجنبية، وحاملين لجنسية مزدوجة، ما علينا ليس هذا مقصدى من سطورى، بل مقصدى هو هذا الشعور الثقيل الذى ينتابنى كلما سافرت إلى هولندا وخلال جولتى مع أولادى إلى بلدان أوروبية أخرى مجاورة أو قريبة بموجب حرية السفر إلى 27 دولة أوروبية عضواً فى الاتحاد الأوروبى، إلى ألمانيا، بلجيكا، إنجلترا، سويسرا، وفقاً لما يحلو للأولاد تحديد خارطتهم فى الرحلة لمشاهدة الجديد، ولأسير على خارطتهم  مرغمة، متظاهرة بالقبول والابتسام.

نعم شعور ثقيل ينتابنى كلما سافرت لأوروبا، أهم أسبابه أنى أعشق بلدى لحد الثمالة بما لها وما عليها، حتى إن لامنى كثيرون بقولهم إن مصر صارت «بلد ما يتعاش فيها»، ثانياً شعورى بالغيرة المفرطة لما يعيش فيه الأوروبيون من تقدم ورفاهية، ووسائل للراحة والإجراءات الميسرة فى قضاء أمور المواطنين، بجانب النظافة.. النظام.. القانون الذى يسرى على الكل دون استثناءات أو محسوبية، وقد اعتدت فى كل مرة أسافر فيها هناك، أن أجد المزيد من التقدم والتطور، فهم لا يهدأون ولا يكلون أو يتوقفون عن العمل والابتكار، واختراع كل ما يوفر الجهد والوقت للإنسان فى حياته ومتطلبات عيشه اليومية، ليتفرغ بطاقته وأعصابه للعمل والإنتاج، بدءاً من وسائل الراحة فى المنازل والأجهزة المنزلية، مروراً بالشوارع ووسائل المواصلات المتعددة المكيفة ذات المواعيد الدقيقة، وصولاً إلى أماكن خدمة الجمهور، وأيضاً أماكن العمل، حتى تكاد تشعر أنهم يعيشون فى جنة على الأرض من الراحة والسعادة، تحيطها الخضرة بأشجارها المنتشرة فى كل مكان، وزهورها الرائعة مدهشة الألوان.

واستوقفنى فى هولندا شيء قد يبدو بسيطاً، ولكن له دلالته على أن هؤلاء «يشغلون مخهم فى كل كبيرة وصغيرة لخلق عالم أفضل أسهل بلا تعقيدات أو مضيعة للوقت» وليس مثلنا كمعظم المصريين الذين يشغلون مخهم للإضرار بالآخرين والكيد لهم وبث أحقادهم على الناجحين، والسعى لإفشالهم.. هذا الشىء الذى أشير إليه، هو آلة صغيرة على مكتب الموظفة التى تقوم بتجديد جوازات السفر أو البطاقات الشخصية، وهذه الآلة عبارة عن علبة، تضع بها قيمة تكلفة جواز السفر أو البطاقة المطلوبة، وتضغط على زر، فتختفى العلبة فى قلب المكتب للأسفل، ثم تخرج بعد ثوان وبها باقى العملات المتبقية للمواطن، إذا ما كان قد دفع ورقة مالية كبيرة.

أى لا تحتاج الموظفة إلى تعطيل المواطن للبحث عن فكة، ولن يضطر المواطن إلى ترك الباقى إكراماً لها حتى تيسر عليه وتعجل بإنهاء أوراقه، وبالمناسبة، جواز السفر والبطاقات يتم تجديدها من خلال وقوف المواطن أمام موظف واحد، وليس عليه أن يلف ويدور على عشرات المبانى أو المكاتب والموظفين للحصول على توقيعات وأختام المسئولين «الأشاوس»، لأن كل شىء مسجل فى قاعدة بيانات على الكمبيوتر، لا مجال للغش أو التزوير، وفى كل مدينة صغيرة أو كبيرة، يقوم مجلس المدينة بمسئولية استخراج الهويات للمواطنين، فلا يتم كما لدينا فى مصر استخراجها من أقسام شرطة، أو من مكاتب متآكلة عقيمة خانقة مزدحمة، مجلس المدينة لديهم بناية كبيرة واسعة، نظيفة، مكيفة، تدخله وكأنك فى فندق سبع نجوم، المثول أمام الموظف لا يتم عشوائياً بزحام ومشاجرات أو واسطة ورشوة، بل بموعد مسبق يتم عمله عبر خدمة الهاتف المسجلة مسبقاً، وعندما يحين يوم موعدك، تحصل على رقم الخدمة الخاص بك من خلال أجهزة كمبيوتر وضعت فى بهو استقبال المبنى، وتخرج لك الورقة برقم الشباك الذى سيؤدى لك الخدمة بمجرد أن تسجل تاريخ ميلادك على الكمبيوتر، منعاً للبس، ومنعاً من أن يحصل أحد على حق آخر فى المواعيد.

الموظفون عديدون، وشبابيك الخدمة فى كل مصلحة تصل إلى 20 شباكاً، المكاتب مفتوحة بلا حواجز زجاجية أو أسلاك، ولا يضطر المواطن إلى أن يطأطئ رأسه أمام نافذة صغيرة أو فتحة فى سلك أو من بين القضبان، كما يحدث فى مصالحنا الحكومية، وإداراتنا، بما فيها أجهزة المدن الجديدة بمصر، وبالمناسبة، الفتحات والقضبان والنوافذ الصغيرة فى مصالحنا الحكومية التى تجبر المواطن أن يحنى رأسة أمام الموظف حتى يسلم أوراقه، ويحصل على خدمته، أسلوب ابتدعه لدينا الاحتلال العثمانى، لإشعار المصريين بالمذلة والمهانة أمام الأتراك الذين كانوا يقومون على أعمال المصريين وإدارة مصالحهم، وللأسف، توارث المصريون هذا الأسلوب، ولم يفكر أبناؤنا من أجيال المهندسين أو المعماريين تغيير هذا الأسلوب، وتعديل شبابيك الخدمة ليرفع المصرى قامته، ويطالب بحقة فى إنهاء إجراءاته من الموظف باحترام وكرامة دون طأطأة الرأس.

أقول لكم إن سفرى لأوروبا بات ثقيلاً على نفسى للأسباب السابقة وغيرتى مما نحن فيه من تأخر وترد مقارنة بهم، ولأسباب أخرى أسردها لاحقاً.. وللحديث بقية.

[email protected]