رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

اصرف.. ما في الجيب!

الشعب المصري تغير كثيراً في نصف القرن الأخير.. ولا أقصد هنا سلوكياته التي أصابت الأخلاق المصرية في مقتل، وجعلت الابن يدخن سيجارته أمام والده.. و«يطنش» ولا يرد عليه، فتلك هي أم البلاوي.. ولكنني أقصد سلوكياته المالية.

كان المصري يؤمن بأن القرش الأبيض.. ينفع في اليوم الأسود أي لابد أن يدخر من يومه، لما تأتي به الأيام.. ويابخت من بات داين ولم يبت مديوناً.. وأن «الدين» هم بالليل وذل بالنهار، بل ان المصري كان يرضي بما يأتيه- وهو في الصباح- ويبوس ما يجود به أول زبون, حتي «يستفتح» أي ينعم بما أنعم به الله عليه.. في أول يومه.

<< الآن.. تغيرت الصورة.. وحل محل القرش الأبيض الذي ينفع في اليوم الأسود، مقولة «اصرف ما في الجيب.. يأتيك ما في الغيب».. وتلك كارثة.. فهل سبب ذلك انتهاء عصر القرش الأبيض نفسه الذي كان يصنع من النيكل.. أما البريزة أو الريال فكانت تصنع من الفضة ولهذا كنا نطلق عليه: الريال الفضة.. وسبحان مغير الأحوال، فقد ذهب السلطان حسين كامل.. وذهب الريال الفضة الشهير للسلطان «حسين».. وسعره- هذه الأيام- في سوق العملات الأثرية يصل إلي 200 جنيه، ليس فقط لما فيه من معدن الفضة.. ولكن هذا العصر الجميل، الذي كنا نتعامل فيه بالريال والبريزة.. وعملة «الستين فضة» أي القرش ونصف القرش.. والمية فضة أي القرشين والنصف!

<< نعم انتهي عصر القرش الأبيض، والمليم، والبرينز، أي نصف المليم وحلاوة زمان التي كان البائع ينادي عليها محرضاً الأطفال ليبكوا حتي يحصلوا علي ما يشترون به هذه الحلاوة، وكان النداء «عيَّط لأمك.. وهات المليم.. وهنا سر التحول في سلوكيات المصري المادية».

ذلك ان انهيار قيمة العملة المصرية وبالذات في العشرين سنة الأخيرة من أهم أسباب تغير سلوكيات المصري.. لأن التضخم يضرب السلوك، قبل أن يضرب العملة.. فما يدخره المصري مثلاً في عام 1980 بحوالي 500 جنيه.. وكانت هذه ثروة أيامها.. لم تعد قيمة مالية تذكر وبالذات أمام أسعار السلع الغذائية.

<< فإذا كانت العملة المصرية فقدت قيمتها الشرائية إلي هذا الحد.. فلماذا يدخر ويرهق نفسه، ويذهب إلي دفاتر التوفير ويضع القرش علي القرش.. علي أمل أن يلجأ إليها عند الحاجة.. ليجد أن كل ما ادخره.. لم يعد يساوي ثمن دفتر التوفير نفسه.. وكان هذا أهم أسباب تغير السلوك من أن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود إلي.. اصرف ما في الجيب، أي تنعم بما حصلت عليه هذه الأيام، لأن قيمة كل ذلك.. إلي زوال  فلماذا يدخر؟!

ولذلك اختفت من حياتنا «الحصالة» التي كان جيلنا يضع فيها القرش علي القرش، والمليم علي المليم.. فلما انتهت قيمة القرش والمليم، بل تم الغاؤهما كذلك- عملياً- هنا ماتت فكرة الحصالة.. مع موت دفتر التوفير.. وكذلك فكرة التأمين علي الحياة.. لأن المؤمن علي حياته كان يقتطع من دخله ليدفع قسط التأمين ليحصل يوماً علي ما يساعده.. ولما اكتشف المصري ان إجمالي ما يحصل عليه- بعد 20 سنة- لا يشتري اثنين كيلو لحمة.. لماذا يدخر.. ولماذا يؤمن علي حياته؟

<< أي ان انهيار قيمة العملة المصرية- المتوالي- أفقدها قيمتها.. وأتذكر ان راتبي من أخبار اليوم صحفياً ولو تحت التمرين عام 1959 كان مبلغ خمسة جنيهات شهرياً نقبضه من مصطفي بك أمين شخصياً، وأقسم ان هذا المبلغ كنت أسكن به وأتناول طعامي.. وأيضاً أعباء دراستي في جامعة القاهرة!

وأتذكر انني كنت أشتري رطل اللحم- يعني حوالي نصف كيلو- بمبلغ تسعة قروش وكنت أطلب من الجزار- علي البيعة- ماسورة مليئة بالنخاع.. أعمل عليها شوربة وفتة! وكنت  أشتري بقرش صاغ واحد شوربة خضار من بطاطس وكوسة وطماطم وليمون وكرفس.. طيب شوفوا الليمونة الواحدة الآن بكام؟! بجنيه كامل يعني 100 قرش.

<< فلماذا أدخر، وتعالوا ندع بكرة.. لخالق بكرة سبحانه وتعالي، هذا هو أهم سبب لابتعاد المصري عن فلسفة الادخار.. رغم ان رجال الاقتصاد يرون أن الادخار هو مقياس التقدم عند الدول.. وها هو الشعب الياباني- أكبر مدخر في العالم- صنع معجزة بلاده بهذه المدخرات.. وكذلك الشعب الألماني.. وهو ما ينفذه الآن الشعب الصيني الذي جعل بلاده أكبر دولة اقتصادية في العالم.

<< واندفع المصري.. يستهلك، ويستهلك، ولهذا نحن شعب نستورد أكثر مما نصدر.. ونأكل أكثر مما ننتج، وهذا سبب العجز في الميزان التجاري وخلل الموازنة العامة للدولة.. عاماً بعد عام.. لقد انتهت رفاهية المصري عندما مات المليم والقرش وأصبحنا نتعامل مع العشرة جنيهات كأنها.. عشرة قروش لا غير.. وكله «حتة بعشرة»!