رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

كيف ننقذ الدراما المصرية من الانهيار؟

 

خرافة الاعتماد علي «النجم» لتسويق العمل

الانحطاط والإسفاف يدمران المجتمع والدراما معا

 

مع بداية شهر رمضان يبدأ سيل جارف من المسلسلات الدرامية يغرق المشاهدين في موجات من الإسفاف المنحط والتفاهة المفرطة، ويشحذ المثقفون والكتاب أقلامهم للتحذير من الخطر الداهم الذي يهدد بتشويه أجيال من المصريين بتدمير كل القيم الأخلاقية والجمالية وتحويل الأغلبية من هذه الجماهير لمخلوقات مشوهة نفسيا ومتقبلة لكل الممارسات المنحرفة والممعنة في الفحش والقبح، بل ويعمل الكثيرون علي محاكاة هذه النماذج المشوهة.

ورغم ان هذا الموقف يتكرر منذ سنوات، وأن البعض يتصور أن مئات المقالات النقدية، والشعور العام «بالقرف» والسخط الذي تعبر عنه قطاعات كبيرة من المواطنين يتصور البعض ان العام القادم سوف يشهد تغييرا في هذه المسلسلات أو علي الأقل بدايات تغيير. ويأتي العام القادم (يتكرر هذا منذ عشرات السنين) وتمعن هذه القنوات في اختيار أكثر المسلسلات انحطاطا وتتنافس القنوات علي عرض المسلسلات الأكثر إسفافا والتي تقدم أكثر الصور تشويها للمجتمع المصري.

ومن الطبيعي ان يحرص المنتجون علي إنتاج هذه النوعية المنحطة من الأعمال الدرامية بمنطق تقديم السلعة التي تروج لدي القنوات.

وقد بلغ الانحطاط هذا العام قاعا لا أظنه مسبوقاً، ويكفي مشهد واحد من مسلسل «أستاذ ورئيس قسم» للممثل الفكاهي عادل إمام ليكون دليلا علي نزول معظم الأعمال الدرامية المصرية إلي قاع الانحطاط والإسفاف.

هذا المشهد يقدم عادل إمام رئيس قسم بإحدي الجامعات المصرية وأحمد بدير رئيس قسم في نفس الجامعة، وفي مكتب أحمد بدير.. المشهد يبدأ بحوار بين الرجلين (الأستاذين في الجامعة) وينتهي بأن يخلع عادل إمام حذاءه وينهال به ضربا علي رأس زميله الأستاذ بنفس الجامعة؟!! وأري ان أي تعليق علي هذا المشهد يظل مقصوراً علي وصف مستوي الانحطاط الذي وصلت إليه معظم المسلسلات.

وحتي لا أقع في خطأ التعميم فقد قدم بعض المنتجين أعمالا محترمة أذكر منها «حارة اليهود» و«تحت السيطرة».

أسباب الانهيار

أتصور ان من المهم ان نحاول اكتشاف أسباب هذا التدهور الخطير لمستوي الدراما المصرية. وفي هذا السياق أعتقد أن سيطرة «وكالات الإعلان» علي القنوات التليفزيونية هو السبب المحوري الذي أدي إلي هذا الانهيار، لان هذه الوكالات الإعلانية تتصور ان «كل ألوان الإثارة» هي العنصر الجاذب للمشاهدة فتطلب من القنوات عرض المسلسلات التي تمعن في تقديم كل ألوان الإثارة بدءا من العنف اللفظي والجسدي مروراً بكل ألوان الإثارة الجنسية وصولا إلي عرض أبشع صور القبح التي تحاصر حياة الطبقات الفقيرة من الشعب المصري، وبالمقابل عرض صور من حياة بذخ وانحلال وإسراف سفيه تنسب إلي طبقات يفترض أنها تمثل قطاعات من الشعب المصري، حياتها سكر وعربدة وعلاقات غير سوية.

ويضاف إلي هذا السبب الجوهري المغالاة في أجور بعض النجوم مما يرفع تكلفة الإنتاج إلي أرقام فلكية يصعب تغطيتها مالم تقبل وكالات الإعلان التعامل مع منتجيها. وأخشي إذا استمرت هذه الموجة من المغالاة في أجور النجوم، أخشي أن يبدأ زحف طبيعي لنجوم غير مصريين يقبلون العمل بأجور معقولة، ومع الزمن تبدأ الدراما المصرية في التراجع وتبدأ مراكز إنتاج غير مصرية تملأ الفراغ.

هنا لابد وأن يفكر المعنيون بأمر الدراما المصرية في حلول سريعة لإنقاذ الدراما المصرية من انهيار محقق إذا استمر الحال علي ما هو عليه.

أول الخطوات يجب أن تبدأ من قنوات التليفزيون المملوكة للدولة، فترفض هذه القنوات عرض المسلسلات التي تحتوي علي مشاهد الإثارة المنحطة والإسفاف، ويحدد تليفزيون الدولة سقفا للأسعار التي يشتري بها المسلسلات يبتعد عن المغالاة.

وأعرف أن البعض سوف يسارع بالصراخ مؤكداً ان تليفزيون الدولة سيخسر بهذا نسبة كبيرة من المشاهدين الذين تعودوا علي هذا النوع المنحط والتافه من المسلسلات، وبالتالي سيخسر التليفزيون الرسمي موارد إعلانية.

هذا الزعم رغم انه صحيح نسبيا، إلا ان تجارب سابقة وكثيرة أثبتت أن جمهورا عريضا من الشعب لم يزل يبحث عن أعمال محترمة. وكثيرا ما أثبت الجمهور ان تذوقه لم يصل بعد إلي قاع الانحطاط، وأن نسبة لا بأس بها من الجماهير قد هجرت مسلسلات العنف والتفاهة والانحطاط ولم تعد تشاهد هذه الأعمال وهذه النوعية من الجماهير سوف تقبل دون شك  علي الأعمال المحترمة وبنسب مشاهدة عالية.

تبقي أيضا مسئولية جهات الإنتاج التي تملكها الدولة بالكامل (صوت القاهرة) أو تملك النسبة الأكبر من أسهمها مما يمكن الدولة من السيطرة علي إنتاجها (مدينة الإنتاج الإعلامي) هذه المؤسسات للإنتاج الدرامي مطالبة بأن تقود تيارا لإنتاج الأعمال المحترمة ولتخفيض تكلفة الإنتاج بعدم الرضوخ لمنطق «النجم» الذي يضمن تسويق العمل. ويحتاج هذا الاتجاه إلي إدراك واع من قيادات هذه المؤسسات بأن «النجم» و«البطل» في المسلسلات التليفزيونية هو «الموضوع» وليس «النجم» ولدينا نماذج بغير مصر لأعمال رائعة اعتمدت علي «الموضوع» والسيناريو الجيد ولم تخضع لمنطق «نجم الشباك».

المساس بحرية الإعلام يفتح الأبواب للإعلام المضاد

في الدولة الحديثة يحتل «الإعلام» موقعا متقدما بين المؤسسات المعنية مباشرة بقضايا «الأمن الوطني»، وذلك لقدرته علي التأثير في الجماهير العريضة.

وفي السنوات الأخيرة، ومع التطور التكنولوجي المتسارع في وسائل الاتصالات، وقدرة البث المسموع والمرئي علي الوصول إلي أبعد نقطة في الكرة الأرضية متغلبا علي أية عقبات تحاول منعه من الوصول إلي الجماهير أو التشويش عليه، في ظل هذه المعطيات انتهي تماما عصر التضييق علي «الإعلام» ومنعه من الوصول إلي الجماهير.

وأصبح التضييق علي حرية الإعلام «الداخلي» عملية عبثية، فالقضاء مفتوح علي مصراعيه مما يتيح للجماهير الاتجاه إلي «الإعلام» الذي يبث من مناطق لا تسيطر عليها الحكومات. وهنا يصبح المجال مفتوحا «للإعلام» المناهض للحكومة التي فرضت القيود علي حرية الإعلام الداخلي، لينفرد بالساحة بعد ان تكون الجماهير قد فقدت الثقة في «إعلامها الوطني» كنتيجة طبيعية للقيود المفروضة عليه والتي تجعل الجماهير تنظر إليه علي أنه مجرد بوق للحكومة ونظام الحكم.

الأمر الغريب أننا في الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس السيسي عن أهمية الإعلام، ويؤكد قولا وفعلا انه ضد أية قيود تفرض علي الإعلام لإدراكه الحقائق التي أشرت إليها، في هذا الوقت نقرأ مشروع قانون الإرهاب الجديد لنري ترزية القوانين قد عادوا لممارسة هوايتهم في محاولة قمع حرية التعبير ومحاصرة حرية الإعلام باقحام مواد شاذة في هذا القانون تحول الإعلام المصري إلي مجرد «نشرة رسمية» تصدرها الحكومة؟!

فهل يدرك العباقرة الذين وضعوا هذه المواد المقيدة لحرية الإعلام، أنهم يقدمون الفرصة الذهبية للإعلام المضاد المتدفق من أكثر من مكان بالعالم ليكون الإعلام الذي تلجأ إليه الجماهير في مصر لتعرف منه المعلومات التي حرم الإعلام المصري من نشرها وبثها بقوة القانون؟!

واضعو المواد المقيدة لحريات الإعلام في قانون مكافحة الإرهاب يدمرون رصيد الثقة الجماهيرية في النظام في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لتثبيت هذه الثقة التي تضمن صلابة الظهير الشعبي للرئيس وهو يقود الحرب الشرسة ضد الإرهاب.