رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أنوار الحقيقة

مشروع التصالح فى قضايا الكسب غير المشروع

يستعرض مجلس الوزراء في اجتماعه المقبل برئاسة المهندس محلب النص النهائي لمشروع القرار بقانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 62 لسنة 1972 بشأن الكسب غير المشروع!

وكان قسم التشريع بمجلس الدولة قد أرسل مشروع القرار بقانون إلي مجلس الوزراء بعد مراجعة مواده والتعديلات التي أدخلت عليه!، والمبدأ الأساسي الذي أقره المشروع هو إجازته للتصالح في الجرائم المنصوص عليها في قانون الكسب غير المشروع، شريطة رد المتهم ما تكسبه من أموال وقد تم تبرير هذا الهدف بأن المشروع يحقق الحفاظ علي هيبة الدولة، وحصولها علي مكاسب أموالها المسلوبة! ويثير هذا المشروع مبدئياً مدي تحقيقه للمصلحة القومية العامة، والردع الجنائي العام والخاص، وحماية المال العام والالتزام بمبادئ ثورتي 25 يناير و30 يونية ويتضح ذلك من مطالعة النصوص الواردة في المشروع التي نستعرضها فيما يلي:

وتنص المادة الأولي من المشروع علي أن تضاف إلي القانون المذكور فقرة تالية للفقرة الأولي من المادة 10 بالإضافة إلي سبع مواد جديدة بأرقام 13 مكرر و14 مكرر و14 مكرر أ، و14 مكرر ب، و14 مكرر ج، و14 مكرر د.

وبناء علي ذلك فالمشروع عبارة عن تعديل في أحكام قانون الكسب غير المشروع، وقد نصت المادة 10 فقرة ثانية علي أنه يجب أن يشتمل أمر المنع من التصرف الذي يصدر عن إدارة الكسب غير المشروع النص علي تعيين من يدير الأموال المتحفظ عليها واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ علي قيمتها، وإضافة العائد أياً كان نوعه بالطبع فائدة أو أرباح.. إلخ لحساب المتهم، أو من شملهم أمر المنع من التصرف، بعد خصم مصاريف الإدارة الفعلية بما لا يجاوز 10٪ لصالح إدارة الكسب غير المشروع!، وهذه الأحكام تمثل المبادئ المتبعة فعلاً والتي تسري علي إدارة الأموال لصالح المتهم بالكسب غير المشروع المتحفظ عليه، ويحدد الحد الأقصي للمصاريف الإدارية المقررة بالنسبة لهذه التصرفات، وقد نصت المادة 12 مكرر أ، علي أنه يجوز للهيئة المختصة بالفحص والتحقيق عند الضرورة أو عند وجود أدلة كافية علي جدية الاتهام في جناية الكسب غير المشروع، أو في جريمة إخفاء الأموال المتحصلة منها، أن تطلب من النيابة العامة منع المتهم من السفر خارج البلاد أو وضع اسمه علي قوائم ترقب الوصول، وأجازت الفقرة الثانية من المادة لمن صدر ضده الأمر التظلم منه أمام محكمة الجنايات المختصة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ علمه به، وإذا رفض التظلم فله التظلم من جديد كلما انقضت ثلاثة أشهر من تاريخ الحكم برفض التظلم ومن الغريب أن هذا النص لا يسمح للهيئة المختصة بالفحص والتحقيق وهي لجنة قضائية، أن تصدر مباشرة أمر المنع من السفر للخارج أو القيد علي قوائم انتظار المتهم القادم من الخارج، وقد تضمنت المواد التالية إجراءات إيداع التظلم وتحقيق دفاع المتظلم والفصل فيه طبقاً للقواعد العامة للتحقيق الجنائي، وذلك بالتفصيل!

وقد نصت المادة 14 مكرر أ علي أنه يجوز التصالح في الجريمة المنصوص عليها في المادة 18 من قانون الكسب غير المشروع ويقدم طلب التصالح من المتهم أو ورثته أو الوكيل الخاص لأي منهما في مرحلة التحقيق بإدارة الكسب غير المشروع برد ما يحصل عليه المتهم من الكسب غير المشروع في أية صورة كانت.. ونصت المادة 14 مكرر أ، علي جواز تقديم طلب التصالح أثناء المحاكم الجنائية للمتهم، كما نصت المادة 14 مكرر ب، علي أنه يجوز التقدم بطلب التصالح بعد صدور حكم محكمة الجنايات وقبل أن يصبح باتاً وحددت باقي مواد المشروع آثار قبول التصالح علي القضايا الخاصة بجرائم الكسب غير المشروع وكيفية تقدير قيمة الأصول والأموال التي سينطبق عليها المشروع والواجب إعادتها إلي الدولة.. إلخ.

ويتناقض هذا المشروع بما تضمنه من أحكام هي في معظمها لصالح المتهم بالكسب غير المشروع بالأساس مع الشرعية الدستورية والقانونية، ومع المبادئ الأساسية للشرعية الإسلامية، فقد قال تعالي: «من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد».. كما قال تعالي: «السارق والسارقة فأقطعوا أيديهما».. وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: «لقد هلك من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوا يده.. والله لو سرقت فاطمة بنت رسول الله لقطعت يدها».

وطبقاً لأحكام الدستور فإنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في قانون، ويهدر هذا المشروع حقيقة وقوع جرائم الكسب غير المشروع وأثرها الحتمي في محاسبة ومحاكمة ومعاقبة مرتكب الجريمة عما ارتكبه بعد تحقيق دفاعه، ولا شك أن جريمة الكسب غير المشروع هي جريمة فساد وإفساد للإدارة العامة للدولة، ولا يبدو مفهوماً كيف يترتب علي ما يهدف إليه المشروع من إسقاط أو إزالة أثرها العقابي الجنائي بالتصالح الذي ورد في هذا المشروع من إهدار لمسئولية المجتمع من عقاب من يعتدي ويسرق المال العام بالكسب غير المشروع، وقد قضي رسول الله بالنسبة للحاكم المخلوع من اليمين بأن يرد كل ما حصل عليه من هدايا وكسب غير مشروع أثناء ولايته إلي بيت المال قائلاً عليه السلام: «وهل كنت تقعد في بيت أمك ويأتي إليك هذه الأموال».. وذلك بعد أن قال الحاكم المخلوع له هذا مالي وهذا قد أهدي إلي.. ويبدو أن هذا المشروع قد أعد أساساً لتقرير هذا التصالح التي يتناقض مع الأهداف السياسية الثورية لثورتي 25 يناير و30 يونية وعلي رأسها تحقيق الشرعية الثورية والعدالة الاجتماعية وحماية أموال الشعب وحقوقه، وذلك بعد عرض «حسين سالم» أحد كبار المتهمين بالكسب غير المشروع باعتباره من المجموعة التي استغلت النظام المباركي السابق وحصلت علي كسب غير مشروع بمبالغ طائلة، وقد غادر البلاد إلي الخارج وتجنس بالجنسية الإسبانية، فقد عرض التنازل عن نصف ثروته التي تبلغ عدة مليارات من الدولارات، مقابل التصالح وإسقاط الاتهام عنه، وإغلاق الملف!

فهل هذا المشروع المريب الذي محوره الأساسي تحقيق مصالح المتهمين بالكسب غير المشروع بالتصالح يؤدي إلي احترام هيبة الدولة أو يهدر هذه الهيبة حيث يهدر هذا المشروع المريب سيادة الدستور والقانون ويتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية ويتناقض مع المبادئ العليا والمصلحة القومية للبلاد.

 

 

رئيس مجلس الدولة الأسبق