رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نقطة ساخنة

مصر لازالت تتجرع مرارة تفضيل «أهل الثقة» علي «أهل الخبرة»

<< لا نعرف بلداً يصدر خلاصة ما يملكه من خبرات وهو في نفس الوقت يعاني من النقص الشديد في كل التخصصات إلا إذا كان بلداً تختل فيه الموازين

عانت مصر كثيراً من تفضيل «أهل الثقة» علي «أهل الخبرة والكفاءة».. واستنزف الاقتصاد المصري الكثير من موارده وثرواته بسبب هذه السياسة الخرقاء والمدمرة.. حدث هذا في كل العصور السابقة منذ سقوط الملكية وقيام ثورة الضباط الأحرار عام 1952 حتي الآن.. وهو ما خلق ما يسمي بمراكز القوي.. وتحالفات قوي النهب والسلب.. ومراكز نفوذ رجال الأعمال.. ثم تزاوج السلطة والثروة.. وهي سياسة أدت إلي ما نحن فيه من اخفاقات متتالية في كل المجالات حتي تخلفت مصر عن باقي الأمم.. والأخطر- من وجهة نظري- هو فقدان الثقة فيما يسمي بقيمة العمل.. وقيمة التفوق.. وقيمة الاجتهاد والإخلاص والأمانة.. وكلها قيم عظيمة ذهبت أدراج الرياح.. وحل محلها النفاق والكذب ولعب الثلاث ورقات.. وخلق جيل من «الحلنجية» و«الشمشرجية» ومحترفي التملق والفهلوة.. هذه القيم المدمرة والمحبطة- للأسف- سادت في المجتمع المصري الآن.. وغيرت من طبيعته الاجتماعية.. وتركيبته السكانية بما يشكل خطراً جسيماً لمستقبل الأمة.

وإذا كان في مصر خبراء متخصصون وعلماء ومفكرون وعباقرة.. فلماذا لم نستطع حل مشكلة التعليم والزراعة والصناعة والمرافق والصحة وغيرها من المشكلات التي تعانيها.. وإذا لم يكن بيننا خبراء متخصصون في كل هذه الميادين.. فلماذا لا نستوردهم من الخارج، كما استوردنا القمح والغذاء والكساء والآلات والمعدات؟!

المطلعون علي شئون هذا البلد يؤكدون ان الخبرات متوافرة والكفاءات موجودة في كل الفروع.. وتشهد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبلدان العالم العربي بكفاءة الخبراء والعلماء المصريين في أرقي الميادين.. حتي ان وكالة الفضا الأمريكية «ناسا» تستعين بعشرات الخبراء المصريين في أرفع المواقع المتعلقة بصناعة الفضاء.

أما في مصر فهذه الكفاءات والخبرات والتخصصات محجوبة عن العمل المثمر.. وإن وجد بعضهم مجالاً فإنما يجده من قبيل الصدفة.. أو من أبواب خلفية يدخلها الغرض والمصلحة.. أما الغالبية فلا مكان لهم في تخصصاتهم الرفيعة.. ولا فرصة أمامهم في العمل والإنتاج إلا خارج الحكومة.

أين تجد الكفاءات إذن مكانها في مصر؟!

الحكومة لا تعترف إلا بالتابعين من «أهل الثقة».. أما غيرهم من «أهل الكفاءة والخبرة» فليس أمامهم إلا القطاع الخاص.. والقطاع الخاص كما نعلم كسيح لا يقوي علي الحركة والانطلاق كما هو موجود في أوروبا وأمريكا.. وبالتالي فهو لا يستطيع أن يستوعب هذه الكفاءات والخبرات.. ولا يستطيع الاستجابة لطموحها في أجور عالية وظروف عمل جيدة.. هذا المناخ الأسود ينقلنا إلي تيار الهجرة الذي يقتلع من مصر أزهي شبابها.. وأعظم خبرائها ويهديهم بلا مقابل إلي الدول الصناعية الكبري وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا.

هذا التيار الخطر «الهجرة»، والذي اشتدت حدته خلال السنوات الأخيرة يضعنا أمام تساؤل مهم وخطير.. وهو من إذن سيبني مصر المستقبل؟!.. ومن سينتشلها من التخبط والضياع والسقوط والانهيار؟!

لا إجابة واضحة.. ولكن خوف وحيرة من المستقبل.. فبلاد يهجرها أهل خبرتها وهي في أشد الحاجة إلي خبراتهم وتخصصاتهم لا يمكن أن تنطلق أو تجد أملاً في التقدم، لأن صناع الانطلاق والتقدم في كل أمة.. هم أهل العلم والخبرة والكفاءة من أبنائها.

ومادام هؤلاء مبعدين عن مواقع المسئولية واتخاذ القرار.. وممنوعين من العمل في المناخ الملائم.. فلابد أن تتحول أنظارهم إلي خارج وطنهم.. وأن يتجهوا إلي حيث يوظفون خبرتهم ويؤدون عملهم بحرية وكرامة في أوطان الآخرين!

وهذه إحدي مآسي مصر الحقيقية منذ زمن طويل. وتحديداً منذ يوليو 1952 حتي الآن.. هذه الحقيقية المُرة لا يسأل عنها إلا نظام الحكم في مصر.. هو المسئول الأول عن تفضيل «أهل الثقة» علي «أهل الخبرة والكفاءة»، ووضعهم في مراكز صناعة القرار.. فالحاكم هو المسئول الأول عن نزيف الهجرة الذي يستنزف العقول المصرية.. ودفعها للهروب خارج البلاد.. فمصر بحاجة إلي كل التخصصات، ولديها نقص شديد لأهل الخبرة في كل الميادين.. ولا نعرف بلداً يصدر خلاصة ما يملكه من خبرات، وهو في نفس الوقت يعاني من النقص الشديد في كل التخصصات إلا إذا كان بلداً تختل فيه الموازين.. متخبط القرار.. ضعيف الرؤية.. لا يحسب للمستقبل أي حساب.

والحقيقة أن التوزيع العادل لأهل الخبرة والكفاءة علي مواقع العمل ومراكز صناعة القرار، لا يمكن أن يرتبط بنظام إداري فاسد وعفن، وهو النظام الذي يحكم كل مصالحنا ووزاراتنا وكل مناحي الحياة الآن.. إذن لابد من إصلاح إداري حقيقي.. يهزم «أهل الثقة» وينصر «أه ل الخبرة».. وبغير ذلك لابد أن ننتظر المزيد من هجرة العقول القادرة علي التفكير والبناء.. إذ لا يمكن أن نطالب كفاءة متخصصة بالتضحية من أجل الوطن وقبول العمل في ظروف منحطة، وبأجور ضئيلة، مادامت تري نظاماً إدارياً فاسداً.. لا يعترف بالتضحية، ولا يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات.. بل يقرب «أهل الثقة» من قليلي الخبرة.. ويبعد «أهل الكفاءة».. ويسقط من حسابه موازين الثواب والعقاب.. فيجد المخطئ «الثواب».. ويجد المجد «العقاب».. ففي هذا المناخ الموبوء الفاسد لابد أن تفتر في نفوس المصريين روح الحماس للعمل والإنتاج.. وأن يفكروا جدياً في الهجرة إلي بلاد ترعي تخصصاتهم ومواهبهم وكفاءاتهم وتجزل لهم العطاء المادي في نفس الوقت.