رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

غياب التقييم المستمر يكرس الفشل

 

اختيار القيادات استناداً إلى تقارير الأمن طريق الفشل

تحديد الأهداف والمتابعة المستمرة يساهم فى تقنين الفساد والفشل

 

ليست هناك دولة فى العالم لا تواجه مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية، الفرق بين دول حققت تقدماً رائعاً رغم ضخامة المشكلات التى واجهتها ودول لم تزل مشلولة الخطى تواجه مشكلاتها بالشكوى وتظل لسنوات تتخبط فى بحثها عن طوق النجاة من المشكلات، الفرق أن الدول التى تغلبت على مشكلاتها وانطلقت إلى الأمام وحققت نهضة حقيقية فى مختلف المجالات، والدول لم تزل تعانى التعثر أن الأولى حددت أهدافها بوضوح ووضعت الجداول الزمنية العملية لتحقيق هذه الأهداف التى حددت أولوياتها بجداول واضحة قابلة للتنفيذ، ثم وضعت آلية للمتابعة والتقييم المستمر للإنجازات وللقيادات، ولم تتردد فى محاسبة المقصرين ومكافأة المجيدين.

أما الدول المتعثرة - ونحن من بين هذه الدول - فنعالج مشكلاتنا بلجان تجتمع وتنفض وتشكل لجاناً فرعية منبثقة من اللجان العامة، وتظل شهوراً أو ربما سنوات - لا يهم - وهذه اللجان تنعقد وتدرس ثم تدرس وتراجع وتعدل، ثم تتوقف فجأة دون أن تعرف هل أنهت عملها أم أنها لم تزل تدرس ثم تدرس، وتصدر التصريحات الوردية من المسئولين تبشر المواطنين بمشروعات تنقل مصر نقلة هائلة وتضعها فى مصاف الدول المتقدمة، وربما اقترنت التصريحات باحتفالات صاخبة احتفالاً ببدء التنفيذ، ويوضع حجر الأساس وتنقل وسائل الإعلام وقائع الاحتفالات وتصريحات المسئولين التى تشرح الثمرات المرجوة من هذه المشروعات.

وتنتهى الاحتفالات وتنشغل باحتفالات أخرى لمشروعات فى مختلف المجالات، وتنقل وسائل الإعلام وقائع الاحتفالات كما فعلت من قبل مع التصريحات الوردية للمسئولين.

وتمر الشهور والسنون والمشروعات لم تزل فى علم الغيب، وتنسى هذه المشروعات ولا نكاد نذكرها إلا إذا شاهدنا «حجر الأساس» المهجور محاطاً بأكوام الزبالة وقد لطخت القاذورات اللافتة الرخامية الفاخرة التى ثبتت عليه والتى يذكرنا بالتاريخ المحفور عليها واسم المسئول المبجل الذى وضع حجر الأساس بيده الكريمة، وكثيراً ما يكون هذا المسئول قد وافته المنية من سنين.

وفجأة تدق الطبول من جديد معلنة تشكيل لجنة جديدة لدراسة نفس المشروعات، وتنبثق منها لجان فرعية وتستمر نفس الدائرة الجهنمية إلى أن تنتهى بوضع أحجار الأساس؟!

من يتصور أننى أبالغ أطلب منه فقط أن يكلف نفسه مشقة مراجعة الصحف الصادرة منذ عشرات السنين وسوف يقرأ الموضوعات التى تتحدث عن نفس المشكلات التى لم نزل نتحدث عنها اليوم.

عندما تابعت الرئيس السيسى وهو يعلن عن مشروع ازدواج قناة السويس، وتابعت الرجل وهو يضع جدولاً زمنياً محدداً، ويقترن الإعلان عن بدء العمل بحشد هائل من المعدات والعاملين، ولا يغادر الرجل موقع العمل إلا وقد تحول المكان إلى خلية نحل لا تهدأ.

يومها بدأ شعاع من أمل يداعبنى وبين حالة الشك فى إمكانية استمرار العمل بنفس الوتيرة والأمل فى أن يتحقق وعد الرئيس، بين هاتين الحالتين عشت عاماً كاملاً وهو الزمن الذى حدده الرئيس السيسى لإنجاز هذا المشروع.

وتحقق الوعد.. وانطلقت أحلامى تتطلع لإنجازات أخرى مشابهة فى كل مجال.. تتحدد لها الجداول الزمنية بدقة وتوفر لها الإمكانات التى تجعل التنفيذ ممكناً فى إطار الزمن المحدد، مع وضع الآليات التى تضمن جودة التنفيذ.

ما حدث فى قناة السويس حدث مثله فى مشروعات الطرق وإن تعثر هذا المشروع قليلاً.. ويحاول الرئيس جاهداً أن يتم تنفيذ مشروع المليون ونصف مليون فدان بنفس الأسلوب.

هذا الأسلوب العملى هو الطريق لتحقيق نهضة حقيقية، وليس معنى هذا أن ما تم لم تكن عليه مآخذ وملاحظات، لكنها ملاحظات يمكن معالجتها.

المهم أن المنهج سليم، وهو تحديد الأولويات، ثم دراسة المشروعات دراسة علمية جادة اعتماداً على خبراء أكفاء مع الحرص على متابعة التنفيذ للالتزام بالجدول الزمنى المعلن وبالجودة المطلوبة.

لقد ثبت بشكل عملى أن هذا المنهج هو المنهج الذى يمكن أن يحقق آمال الشعب المصرى فى بناء دولة عصرية مدنية ديمقراطية.

كيف يتم اختيار وتقييم القيادات

ولكن.. هنا نتوقف، فقد أثبت تبنى هذا المنهج أن الشعب المصرى قادر على أن يحقق كل آماله الطموحة فى مختلف المجالات.. ولكن، مع ملاحظات كشف عنها التنفيذ، ويجب أن تتم مراعاتها فيما هو قادم من مشروعات.

أولاً: فى ظل الشح المالى الذى تعانى منه الخزينة المصرية، نحتاج إلى تحديد الأولويات، وفى هذا المجال على الرئيس السيسى أن يوسع دائرة الحوار حول المشروعات الكبرى القادمة بالاستماع إلى مختلف وجهات النظر من أصحاب الخبرة كل فى مجاله، ولو منحنا كل مشروع وقتاً إضافياً للاستماع إلى كل وجهات النظر فإن النتيجة النهائية ستكون دون شك محققة لنتائج أفضل، وفى هذا المجال مثلاً قد استمعت إلى ملاحظات الدكتور عمارة التى أبداها على بداية مشروع المليون ونصف المليون فدان فى شرق العوينات، وهى ملاحظات خبير ممتاز، وأعتقد أن مصر غنية بالخبراء المتميزين فى كل مجال.

أولاً: الاستماع إلى مختلف الآراء يجنب المشروع - أى مشروع - مخاطر فشل أو على الأقل يحرم المشروع من تحقيق نتائج أفضل.

ثانياً: المتابعة والتقييم المستمر، وهذا عنصر غاب فى كثير من المشروعات فى فترات سابقة، ولم يزل غائباً حتى الآن فى مواقع كثيرة، سواء على صعيد تنفيذ المشروعات أو على صعيد العمل التنفيذى فى مختلف الوزارات.

غياب المتابعة والتقييم المستمر نرى آثاره مثلاً فى انهيار كوبرى سوهاج بعد أيام من افتتاحه.

وغياب المتابعة والتقييم لأداء الوزراء وسلطات الحكم المحلية أدت إلى كوارث فى أكثر من مجال، وغياب المتابعة فى الكثير من المؤسسات والمشروعات والشركات المملوكة للدولة أدى إلى كوارث وفشل ذريع فى بعض هذه المؤسسات والشركات، وأهدرت المليارات من المال العام نتيجة لفشل القيادات وغياب التقييم لتستمر هذه القيادات الفاشلة فى إهدار المزيد من المال العام، والأمثلة فى هذا المجال بغير حصر.

ثالثاً: تحديد أهداف محددة لكل قيادة تتولى المسئولية فى أية مؤسسة أو شركة (قطاع عام وما فى حكمها)، وتتم المتابعة والتقييم على أساس مدى الالتزام بتنفيذ هذه الأهداف فإذا تم تعيين قيادة ما لشركة من شركات القطاع العام وما فى حكمها، يكلف من يتولى موقع القيادة بوقف نزيف الخسائر إذا كانت الشركة خاسرة، وتتحدد مهلة زمنية لإنهاء هذا الوضع وبعدها تتحقق الأرباح.

أما إذا كانت الشركة تحقق أرباحاً هزيلة لا تتناسب مع رأس المال فتكون مهمة القيادة زيادة الأرباح لتصل إلى النسبة الطبيعية لأرباح الشركات التى تعمل فى نفس النشاط.

وعلى ضوء هذه الأهداف المحددة تتم متابعة أداء القيادة التى تولت المسئولية، ولا تتأخر هذه المتابعة بحجة أن المشاكل كثيرة، بل يجب أن تتم المحاسبة والتقييم بعد بضعة شهور من تولى هذه القيادة مسئوليتها.

والمتابعة فى هذه الحالة لا تشترط تحقيق الأهداف التى تم تحديدها والتى قد تحتاج إلى بعض الوقت، ولكن بضعة شهور كفيلة بأن تكشف عن أسلوب هذه القيادة فى الإدارة، ويستطيع أى خبير أن يكتشف بوادر النجاح أو الفشل من المؤشرات التى تتكشف فى أسلوب إدارة هذه القيادة للمؤسسة أو الشركة.

هذا التقييم السريع يمنع استمرار نزيف الخسائر بإبعاد هذه القيادة فوراً.

الكوارث التى تعرضت لها معظم شركات القطاع العام حدثت نتيجة لترك القيادات الفاشلة فى مواقعها لسنوات، فتراكمت المشاكل والخسائر وتعقدت الأزمات وأهدرت المليارات من المال العام نتيجة لعدم اتخاذ القرارات الحاسمة بإبعاد القيادات الفاسدة أو الفاشلة فى التوقيت المناسب.

رابعاً: يبقى أن ينتهى تماماً أسلوب اختيار القيادات بناء على تقارير الأمن فهذه التقارير يمكن أن يستهدى بها المسئول ليعرف إذا كانت الشخصيات المرشحة لمنصب قيادى متورط فى أية ممارسات غير قانونية.. أما التقييم المهنى لهذه القيادات فأمر مختلف تماماً ولا تستطيع الجهات الأمنية أن تبدى فيه رأياً له قيمة.

التقييم المهنى للقيادات يتولاه خبراء فى نفس المهنة يتمتعون بقدرة حقيقية على التقييم الصحيح للقدرات المهنية للمرشحين لقيادة المؤسسات.

هذا هو النهج الذى يمكن أن يأتى بقيادات ناجحة تنهى مشكلات الشركات والمؤسسات المتعثرة وتنهض بها.

فهل يفكر الرئيس السيسى فى اتباع هذا المنهج أم تبقى الأمور على ما هى عليه، فتستمر الأزمات ويتواصل الفشل وتهدر المليارات من المال العام.

أملى كبير فى أن المنهج الذى اتبعه الرئيس السيسى فى عدد من المشروعات الكبرى يتم تطبيقه فى جميع المجالات.