رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

ولكم فى مصطفى النحاس أسوة حسنة

 

 

كتبت فى الأسبوع الماضى عن مسيرة سعد باشا زغلول، وعما يُمكن أن نتعلمه من دروس من هذا الزعيم الوطنى العظيم الموقظ للأمة المصرية، وعما بثه فيها من قيم خالدة تؤسس لدولة وطنية قائمة على المواطنة وسيادة القانون.

ولما كانت ذكرى رحيل سعد هى ذاتها ذكرى رحيل مصطفى النحاس فى الثالث والعشرين من أغسطس فى نادرة فريدة لا تتكرر كثيرا فى التاريخ، فقد رأيت من اللازم عليَ أن أكتب عن أهم ما تركته سيرة النحاس من آثار ومبادئ وسمات أخلاقية مستحسنة فى نفوس المصريين.

وأول ما يلفت النظر فى سيرة الزعيم الذى رحل إلى دار الحق فى 1965 عن عمر يناهز الـ 86 عاما أنه كان مثالا واضحا لممارسة السياسة استنادا إلى الأخلاق الحميدة، كسرا لما آلفه الناس من كون السياسة خليطا من الكذب والمراوغة والخداع واستخدام كافة الوسائل المرذولة وصولا إلى الغايات. وهكذا اتفق خصوم النحاس قبل محبيه على صدقه ووضوحه وأمانته والتزامه التام باحترام القانون والدستور لأبعد مدى ممكن، حتى مع أولئك الذين كانوا لا يتورعون عن أى فعل مناقض للديمقراطية تحقيقا لمصالحهم الذاتية.

إن زعامة النحاس قد ترسخت فى وجدان الوطن خلال الفترة من 1930 إلى 1935 وهو خارج الحكومة يقاوم الاستبداد، وهى الفترة التى طاف فيها أنحاء البلاد قرية قرية ومدينة مدينة، وكان ينام على محطات القطار متمسكا بعودة دستور 1923 والمحافظة على النظام الدستورى واعادة الرقابة البرلمانية، وهذه هى المعركة الأهم التى جعلت منه زعيما شعبيا حقيقيا.

واللافت فى سيرة الرجل أنه كان شديد الحرص على تنزيه الدين عن الخلط بالسياسة، وله واقعة شهيرة مع حسن البنا تؤكد ذلك التصور الرافض لاستخدام الشعارات الدينية فى الحياة السياسية. وجميعنا يذكر واقعة إصراره على رفض تنصيب الملك فاروق عرش مصر فى احتفال دينى، حتى لا يُصبغ على المنصب الدنيوى أى طابع تقديس يمنع من محاسبة الحاكم أو مراجعته.

وكان النحاس يدرك أن المهمة الحقيقية للسياسى الوطنى هى البناء والتأسيس، لذا فقد استغل الفترات المحدودة التى تولى فيها الوفد الحكم فى 1936 و1942 ثم فى 1950 فى إنشاء أكبر عدد من المؤسسات المدنية الكبرى والتى بقيت للمصريين دعما للدولة الحديثة، فأنشأ البنك المركزى، وجهاز المحاسبات، وهيئة البحث العلمى، واتحاد العمال، ومحكمة النقض، وجامعة الدول العربية، وغيرها من الصروح العظيمة.

كما كان النحاس باشا يؤمن بالفقراء، ويسعى إلى مساندتهم وحمايتهم فى كل موقف، ولم يكن الوفد كما ردد البعض زورا صوتا للطبقة الأرستقراطية، وإنما كان معبرا واضحا عن الطبقة الوسطى، وداعما لها، لذا فقد ساهمت الحكومات التى ترأسها النحاس فى إقرار عشرات القوانين الداعمة لحقوق العمال والطبقات الكادحة.

ولم يكن النحاس يجد حرجا فى ممارسة معارضيه أى نقد تجاهه أو محاسبة لأفعاله وهو رئيس للحكومة، رغم أن بعض هذه الممارسات وصل إلى حدود منكرة، فكان يقف بصلابة وجرأة يرد على كل اتهام ويجيب عن كل تساؤل ولا يترفع على أحد، موقنا أن أى مسئول يجب أن يمتلك صدرا رحبا وردودا واضحة تصدر بشفافية دون مَن أو غضب.

وحسبنا أن نتعلم من تصوفه وزهده وميله للاعتزال فى سنواته الأخيرة بعد أن رأى أن مصلحة الأمة تقتضى عدم الصدام مع السلطة، وأن استقرار مصر أعظم وأبقى من استمراره فى الحياة السياسية فى ظل هيمنة ضباط يوليو وإقرار مبدأ الحزب الواحد. لقد كان النحاس وطنيا نبيلا قدم ما استطاع أن يقدمه للوطن دون أن ينتظر جزاءً أو شكورا، فاستحق التفاف الأمة المصرية فى ذروة العهد الناصرى حول نعشه فى مشهد نادر مهيب ودعته فيه جموع المصريين بامتنان ووفاء. فسلامٌ عليه فى الخالدين.

وسلامٌ على الأمة المصرية.