رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

سعد سعد يحيا سعد

تبدو من المصادفات اللافتة أن تجتمع ذكرى رحيل زعماء الوفد الثلاثة سعد والنحاس وسراج الدين فى شهر أغسطس، والأكثر مدعاة للدهشة أن يموت سعد والنحاس فى اليوم نفسه، 23، رغم وجود فارق ثمانية وثلاثين عاما بين رحيلهما.

فسعد زغلول رحل عن دنيانا عام 1927 فى زمن الملكية، وفى ظل الاحتلال البريطانى، بينما رحل النحاس سنة 1965، فى ظل نظام جمهورى يعانى من غياب التعددية وهيمنة الحزب الواحد.

وإذا كنا كتبنا الأسبوع الماضى عن ذكرى رحيل فؤاد سراج الدين، الذى غاب عن دنيانا فى 9 أغسطس 2000، استقراء لدروس، وبحثا عن قيم وتتبعا لسمات وقدرات يُمكن الاحتذاء بها، فإننا نرى فى ذكرى سعد والنحاس قيما ودروسا خالدة لا تنضب أبدا.

وأتصور أن سيرة سعد زغلول نفسه تُضىء لنا دروبا من العتمة، وتملأنا بالأمل، والسعى لترسيخ مبادئ الحرية والمواطنة وتأكيد فكرة سيادة الأمة وعلوها فوق السلطة.

إن سعد يبدو من سيرته شخصية استثنائية لها ثقلها، تحفظ لذاتها كرامتها، وتؤمن بمستقبل أفضل لوطنه وذاته. وفى مذكراته يطل علينا سعد كشخص أخلاقى، مثقف، يقرأ ويتابع المعارف والعلوم بعدة لغات ولا يجد حرجا أن يتعلم اللغة الإنجليزية فى سن متقدمة. وهو رجل يهتم بالتفاصيل أيما اهتمام ويُدقق فى كل شىء حرصا على الإتقان التام والعناية الكاملة، وهو يفهم طريقة تفكير المصريين والأوروبيين، ويجيد مخاطبة كل إنسان بلغته وأسلوبه.

وكما كتبت عنه مرارا فإننى أراه رجلا مثابرا شديد الصلابة، لا يضع أمرا أو هدفا يرى فيه مصلحة بلاده، إلا وقطع كل طريق تجاهه. تنتابه فى بعض الأحيان لحظات ضيق، وأوقات إحباط مثله فى ذلك مثل كافة البشر، لكنه لا يلبث أن ينفض عن نفس أفكار اليأس مؤمنا أن قصد الحق لابد ويوصله إلى مراده فى النهاية مهما كانت العقبات.

وهو قريب من الله فعلا لا تمثيلا أو إدعاء، فلا يكاد يفعل أمرا أو يرى رأيا حتى فى أموره الحياتية الشخصية مثل شراء أرض أو تغيير أثاث، إلا ويذكر الله فيه، فيسأله السداد والتوفيق، ويستعيذ به من الضلال والإخفاق لدرجة أنه يتحدث مثلا عن أطيان اشتراها وباعها بالخسارة فيقول مثلا عن ذلك «والله معوض الخسائر وجابر الكسائر».

والرجل بليغ فى تعبيراته إلى أقصى مدى، ذكى فى اختيار مفرداته، وكأنه أديب أوتى سحر البيان وجاذبية اللغة. وهو قادر أيضا أن يقدم شهادة مختلفة تشتبك فيها المذكرات العامة بالحكى الإنسانى الشخصى لنجد أنفسنا أمام شخص استثنائى فى كل أمر، جدير بقيادة أبرز وأعظم ثورات مصر الحديثة فيما بعد.

لقد تصور بعض الباحثين المتعجلين أن سعد زغلول زعيم بالمصادفة وأن قانون المصادفات جعل منه بطلا فى ظل تعطش الأمة لمن يطالب بحقوقها بعد ويلات الحرب العالمية الأولى، غير أن مَن يقرأ مذكرات الرجل بتمعن، ويتابع سيرته بشكل دقيق يعرف يقينا أنه رجل اللحظة الحاسمة، وهو وحده القادر على الإمساك بالفرص السانحة وقيادة الأمة فى سبيل الحرية.

لقد كان الزعيم الجميل خطيبا مفوها، وسياسيا محنكا، نجح فى غرس القيم الأولى لحزب الوفد فى نفوس المصريين مثل الاستقلال الوطنى، والوحدة الوطنية، وسيادة القانون، وهى ذاتها القيم التى نرفعها راية خفاقة للدولة المصرية الحديثة ذات السيادة، وهو ما يؤكد حيوية سياسات سعد واستدامة تصوراته عن الوطن. وربما هذا ما يُفسر لنا مقولة «سعد سعد يحيا سعد»، فمثله لا يموت برحيل جسده.

وسلامٌ على الأمة المصرية.