رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

أخلاقنا بين رقابة الأرض وعقاب السماء.. « الاخيرة «

عندما يتوصل أفضل علماء العالم لتركيبة دواء تعالج أخطر الأمراض التى ابتلانا بها الله، هل يضمن أحدنا أن يتم استخدام هذا العلاج بصور صحيحة تشفى المرضى، الإجابة لا، الضمانة الوحيدة هى أن يكون هذا العالم على خلق، يستخدم ما توصل إليه فى مساره الصحيح لإفادة البشرية، أما إذا افتقد الخلق القويم الذى يحمى العلم، فسيقوم بإخفاء هذا الدواء، أو خلطه بمركبات أخرى تقلل من فاعلية الشفاء رغبة فى الثراء، أو يقوم بما أتاه الله من علم بنشر فيروسات أو ميكروبات أو عدوى المرض، ضمن ما يعرف بالحرب البيولوجية فى مناطق من العالم، خاصة بلدان العالم النائى والفقير فى أفريقيا أو آسيا وغيرها، من أجل أن يجد له أسواقاً لبيع دوائه الجديد ليحصد المليارات.

الأخلاق هى الرادع والوازع الوحيد لهذا العالم، ليستخدم علمه واختراعاته من أجل إفادة وحماية البشرية، والعكس صحيح، انعدام أخلاقه ستودى إلى تدمير وهلاك البشرية، وقس على هذا، افتقار أى عامل، أى موظف، أى صاحب سلطة، أى مسئول ولاه الله علينا للأخلاق، ماذا سيفعل بما مكنه الله فى الأرض، مؤكد سيستخدمه كسلاح لضرر الناس وإيذائهم، والتنكيل بهم، وبدلاً عن أن تكون النعمة التى وهبها الله له من فضل ميزه به على الآخرين، ستكون نقمة عليه وعلى من حوله، ولا أستثنى من ذلك نعمة المال فإذا أثرى الله عبداً من عباده، لو لم يتم استخدام هذا المال فى أوجه طيبة خيره لإفادة نفسه والناس حوله، ووجه ماله للشهوات والمفسدات فى الأرض، كانت نعمة المال نقمة.

ومن هنا لا أرى من المبالغة أنى أتحدث للأسبوع السادس على التوالى عن أخلاقنا فى مصر، والتى أعول عليها وغيرى أن تكون الأساس فى إصلاح مجتمعنا، ودفعه إلى الأمام، لا جذبه إلى الوراء ليبقى فى بؤرة التخلف، والغرق فى المفسدات والشهوات بكل أنواعها من شهوة المال والسلطة والنفوذ وشهوة الجسد، وصدق الله العظيم بقوله «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون»، وسبحانه خلقنا وهو يعلم لأنه عالم الغيب بما سترتكبه أيدى خلقه فى الحياة، لأنه ترك لنا حرية الاختيار بين النجدين، أو الطريقين، طريق الخير وطريق الشر، كما ترك للشيطان سلطة إغواء البشر، إلا عباده المخلصين، الذين يخلصون النية إلى الله، ويدركون أنه يراقبهم فى كل لحظة وغمضة عين ويحسب عليهم كل أعمالهم، نعم ترك الله لنا حرية الاختيار، وترك لنا قوة الإيمان التى نحارب بها إغواء الشيطان، فأما من غلبه شيطانه وأطاعه عن هوى وضعف، فهو حر، وعليه أن يواجه جزاء عمله فى الدنيا والآخرة، وأما من استمسك بالإيمان والصبر، وجاهد النفس الأمارة بالسوء، فله حسن الجزاء، إن لم ينله فى الدنيا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وسيجد جزاء عمله فى الآخرة، وأيضا فى جانب من الدنيا دون أن يدرى، بما سيسبغه الله عليه من نعمة صحة، أو ابن بار، أو حياة مستورة لا يفضحه فيها بشر، أو غيرها من النعم، التى قد لا يتنبه لها الإنسان نفسه، ويعتبرها مسلمات، ولا يشعر بها إلا إذا فقدها.

كل ما نعانيه فى بلدنا الحبيب هو جزاء عملنا، أو عمل بعض منا وفقا لما قاله الله، فهذا الفساد، وهذا البلاء، وهذا التردى والفقر، والفشل فى الإصلاح، إنما جزاء بما تفعل أيدينا فى أعمالنا وسلوكنا، فالله ليس بظلام للعبيد أبداً، ولعلى أترك هنا جزاء الآخرة لله وحده، فهو المثيب والمعاقب، وأتحدث عن جزاء الدنيا للمفسدين فى بلدنا الحبيب، لمن فقدوا أخلاقهم، وأشاعوا سوء الخلق حولهم بالكذب والنفاق، والرشوة، وتعطيل مصالح العباد، واستغلال النفوذ والسلطة، والتقاعس عن أداء عملهم وواجبهم المطلوب منهم، فإذا كنا كمصريين نرغب فى أن نجنى ثمار ثورتينا، 25 يناير، و30 يونية، التى فقد فيهما الشعب الكثير من الدماء والجهد، وقد جاءت الثورتان بعد سنوات طويلة من العذاب والصبر تحت نظام حكم حاول تجريف كل ما هو جميل وطيب فى هذا البلد لمصلحة تكريس سلطته ونفوذه وملء خزائنه، نعم أتحدث عن جزاء الدنيا لمعاقبة هؤلاء المفسدين وإيقافهم عن حدهم.

فمما يؤسف له أن لدينا فى مصر أكثر من 36 جهازاً رقابياً على الفساد، ومع ذلك تحولت مصر إلي بؤرة فساد سواء إدارياً أو مالياً، واقتصر عمل معظم الجهات الرقابية علي كتابة التقارير، ومما يؤسف له أننا نقرأ ونسمع يوميا تقارير الجهاز المركزى للمحاسبات، ثم تختفى نتائج هذه التقارير، ولا نسمع أن أحدا تم عقابه، ولا أحداً أقيل من منصبه، أو حتى تم خصم «كام يوم من راتبه» لن أطيل أكثر من هذا، لأن المطلوب بات واضحاً لإنقاذ أنفسنا، وإنقاذ بلدنا، وهو العودة إلى الأخلاق، أن نتقى الله فى كل أعمالنا، كل فى مجاله، أن نتوقف عن التكالب عن جمع المال، أو التسلق لسلطة أو نفوذ، أن نعمل لوجه الله ولوجه هذا الوطن، أن نتوجه لإعادة تربية أنفسنا، إعادة تربية أولادنا فى بيوتنا التى تخرب يوماً بعد يوم بسبب سوء الأخلاق والبعد عن الفضائل، أن نركز رقابياً على المؤسسات التربوية لنشر الخلق والفضيلة، فلا فائدة لعلم بدون أخلاق، أن يقوم كل منا بعمله، وأن يتم وضع قوانين مشددة لمعاقبة المخالفين للقواعد السلوكية، للوائح، للقوانين.. للمفسدين، أن يكون العقاب فى الأرض أولا قبل عقاب السماء، حتى يرتدع المفسدون، فغياب الرقابة والعقاب، يشجع ويزيد من رقعة التلوث، لتحصد جميعا المرارة.

وأختم بقوله سبحانه وتعالى بقوله مرة أخرى للتذكير «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» أي الله سيظل يبتلينا بنقص الأموال والأنفس والثمرات ليجازينا عن صنائعنا فى الأرض لعلنا نرجع ونتوب اليه ونثوب إلى أخلاقنا، إنقاذاً لأنفسنا، وللأرض التى ورثنا الله إياها، وجعلنا حراساً على إعمارها، وكل عام وأنتم بخير وخلق وصلاح.

[email protected]