رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

رؤية

العقل الفلسفى ومجتمعات التقدم

لا شك أن التفكير ضرورة وحق لنا من ضرورات وجودنا ذاته، وعليه يكون من المسموح، بل من حقنا أن نختلف، ولا يقتصر اختلافنا على الأفكار والقناعات حتى تتكون تآلفات فكرية وسياسية ووطنية، فيكون الاختلاف فى التأييد والمعارضة، فى الولاء والعداء، فى التواصل والتقاطع، فى الانجذاب والنفور والاقتراب الطيب والتباعد الاضطرارى وهكذا من الأمور المُجازة.

وعليه، تبرز أهمية فكرة التعددية، التى تعنى التنوع والاقتراب على المستوى العقلى والإنسانى والحضارى ونحن نتعامل مع واقع الاختلاف عقلانيا وإنسانيا وحضاريًا كى لا يتحول الاختلاف إلى احتراب على مستوى الخطاب فتتشكل الفرق المتنازعة التى إذا ما صُعِّدت وتيرة الصراع بينها إلى أكثر مما تتحمله الأوضاع، تنقل حالة الاحتراب إلى نزف للدماء، وإزهاق للأرواح، وتكريس للبغضاء، وسماح لروح الشر والعدوانية لتتفشى، وإفساد للحرث والنسل، وهدم للبناء الحضارى، لذا جاءت رسالات السماء لتوصى وتحرض، بل وتلزم المؤمنين بها على الاعتدال والتآخى، وجاءت الدعوات الإنسانية لتجذر هذه المفاهيم وتدعو إليها وفق رؤى ونظريات أعمال العقل لتؤكد هذا المعنى.

وهنا، نكرر السؤال: ألم يقرأ أهل الكسل العقلى فى كتب تاريخ البشر أن تعثر الخطوات فى دنيا السعى إلى كسب مساحات جديدة مبشرة بحال أفضل، سيؤدى بهم إلى حالة تراجع الأحلام المحفزة لتحقيق طفرات وإنجازات نحو التقدم، ومن ثم يزداد التخلف وتنتشر جراثيمه وميكروباته فى أوصال أوطانهم.

وبالمناسبة، تجدر الإشارة إلى أن الإرهاصات الأولية التى تحققت لتفعيل استضاءات التنوير فى مصر وبعض المناطق العربية فى القرن التاسع عشر لم تنمُ كتيارات ومسارات للأمام، وعليه تراجعت العقلانية والحداثة اللتان ارتبطتا بتلك الإرهاصات أمام زحف التخلف الفكرى والجمود المتعصب، ولم تقدر إرهاصات التنوير على مقاومة القوى صاحبة المصلحة فى إطفاء نور العقل، على عكس ما تحقق فى عصر التنوير الأوروبى.

نعم، فحالة الذهاب إلى أعمال العقل لدينا كانت «بعافية شوية أو قل شويتين»، بينما استطاع الفرنجة العبور إلى مجتمعات التقدم عبر الاستفادة بثورة الاتصالات واتساع فضاءات دنيا المعرفة والإبداع.

معلوم، لن يتم تحقيق أى تقدم لمجتمع ما فى هذا العصر إلا حين يشرق نور العقل فى سماواته وآفاق تطلعات بنيه.

وفى هذا السياق أوافق العالم د. أحمد شوقى فى دعوته إلى السعى لإنجاز خطاب تنويرى جديد يبعث الحيوية والحداثة فى ثقافتنا التقليدية كلها، وليس فى مكونها الدينى فقط، الذى ندعو إلى تجديده منذ أمد بعيد دون نتائج محسوسة، ودون إغضاب المعنيين بقضية التنوير بصدق وإخلاص، يكرر د. شوقى الدعوة إلى أن نراجع معًا أسباب القصور فى تنوير المجتمع، والاعتراف بالحاجة إلى تغيير جذرى لمحتوى خطابنا التنويرى وأساليب تقديمه، والسعى إلى توفير البيئة الثقافية والفكرية السامحة باستيعابه وتبنيه، أنه نقد ذاتى تستدعى الأمانة طرحه بصورة مباشرة، توضح المشكلة وتسعى إلى الحل.