رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو رؤية مغايرة لمفهوم «قراءة» القرآن

 

 

شعرت وأنا أستمع للخطيب الجمعة الماضية أنني في مزاد بشأن قراءة القرآن في رمضان.. (التشبيه لتقريب الصورة ليس أكثر) وحسبما جاء في الخطبة فإن الإمام مالك تقريباً كان يقرأه مرة كل يوم، فيما كان أحد الصحابة يقرأه كاملاً في العشر الأواخر من الشهر – ثلاث مرات كل يوم – فيما أن الإمام الشافعي كان يقرأ القرآن كاملاً مرتين في اليوم على مدار رمضان بالكامل، أي ستين مرة في الشهر، وإن كنت أتصور صعوبة هذا الأمر عملياً، غير أني أؤكد أنني لست في وضع يمكنني من الحكم على صحة هذه الأقوال أم لا، لكني رأيت فيها حالة عامة يتم تعزيزها لدى المسلم بشأن نمط التعامل مع القرآن.. القراءة ثم القراءة ثم القراءة.

يمكنك أن تلمس هذه الحالة في حياتنا العادية حيث لا تعدم أن تجد وأنت في طريقك إلى العمل بالميكروباص أو الأتوبيس جارك في الكرسي وقد فتح المصحف ليقرأ ما تيسر له من القرآن، أو آخراً فتح التابلت أو المحمول في المترو لكي يؤدي المهمة ذاتها. كما يصعب عليك أن تجد حضانة – لأي مستوى من المستويات فقيرة أم غنية – إلا وتجد تأكيدها على أن من بين أنشطتها تحفيظ القرآن.

على المستوى الرسمي يمكنك أن تلحظ الحالة في مسابقات القرآن الكريم التي تعقد، خاصة في الشهر الكريم وتعكس سباقاً محموماً من أجل تعزيز الحفظ بين صغار المسلمين والناشئة منهم. مجمل هذه المظاهر أفرز ما يصفه البعض بالتدين المظهري الذي لا يتجاوز قشور الدين. ذكر لي صديق أثق بحديثه أنه سأل زميلة له تقضي في المواصلات ساعتين في طريقها للعمل عما تفعله طوال الطريق فأخبرته قراءة القرآن، فيما لم تتوان، بمجرد الإجابة، عن نيل جميع زملائها بالغيبة وفي نهار رمضان!

أوقن أن البعض قد يرد على هذه الملاحظات بالقول: وما الضير في قراءة القرآن؟.. أليست أفضل من قراءة رواية خليعة تحث على الرذيلة أو ليس التلفظ بالقرآن في حد ذاته عبادة أمرنا الله بها.. ألم يقل الرسول صلي الله عليه وسلم: من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، ثم إن القرآن يفسر بعضه بعضاً، على النحو الذي يمكن معه لقارئه فهمه دون بالغ صعوبة.

لكن ليس هذا هو بيت القصيد من هذه السطور. ما أود الإشارة إليه أننا لم نطور استفادتنا من فعل القراءة إلى ما هو أكثر جدوى ليمتد الأمر إلى الفهم والعمل بنتائج هذا الفهم. انظر حولك وحاول أن تتأمل أوضاعنا ستدرك أن الأمر لا يتجاوز الحناجر إلى القلوب. لا أقول إنه من المفترض أن يكون كل مسلم عالما في تفسير القرآن وفهمه ولكن على الأقل فهم ما يقدمه والمقصود مما ورد في آياته وتطوير ذلك للعمل به. قرأت مؤخراً في أحد الكتب تفسيراً لقصة موسى في القرآن بالغ العمق يتجاوز التفسيرات التي قدمت من قبل ويتقدم عليها لا أشك أن أي قارئ له على النحو الذي أورده به صاحبه سيزداد إيماناً ويقينا بالله وبحكمته في خلقه، وقد يكون ذلك مثلاً أفضل من أن يقرأ المرء ما ورد في القرآن بشأن قصة موسى عشرات المرات.

على المستوى الشخصي أحاول في رمضان وبعيداً عن صخب الفضائيات وضجيجها وبعد صلاة التراويح أن ألزم نفسي بقراءة ما تيسر من علوم القرآن من مختلف المشارب والاتجاهات. أرى في ذلك – من منظوري الخاص، وأتمنى ألا أكون مخطئاً – نوعاً من قيام الليل الذي قد لا يكون بالضرورة مزيداً من الصلاة أو قراءة القرآن وإنما قد يشمل التعبد بفهم القرآن.

في تقديري أن هذه الرؤية في النظر للقرآن والتعامل معه يمكن أن توسع وتعمق نظرة المسلم للحياة ولطبيعة دينه، وتجعله ينتقل من حالة القراءة إلى تطبيق فهمه للقراءة، حتى يكون المسلم – كل مسلم - بحق كما قالت السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن». بهذه الرؤية يمكن تجاوز النظرة الضيقة لكثير من قضايانا، والتعامل معها من منطلق أرحب. انظر حولك مرة ثانية ستجد أننا ونحن أمة يطلق عليها أمة القرآن أبعد ما نكون عن الأخلاق والفضائل التي حث عليها القرآن، بل والقيم التي يدعونا إليها التي من المفترض أن تجعلنا في مقدمة الأمم.

إذا لم تعجبك كلماتي فلك أن تعترض كما شئت، غير أن من حقي أن ندخل في.. «حوار».. وهو أحد الأمور الأساسية التي حث عليها القرآن.

 

 

[email protected]