رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

ماذا حدث للمصريين فى العقد الأخير؟

تتناثر الأخبار والحكايات حول أولئك المحتالين الأذكياء الذين يظهرون فى كُل ناحية من نواحى مصر، ليُقنعوا الناس بقدراتهم على توظيف الأموال، ويجمعون ملايين الجنيهات بسهولة وسرعة. فبين الحين والحين يطل شخص ما يدعى قدرته على تحقيق مستويات ربح عالية، يُحددها سلفاً بما يتجاوز عشرين وخمس وعشرين بالمئة سنوياً، وهو ما يدفع الناس أفواجاً للسقوط ضحايا بين براثنه. وينكشف الأمر بعد حين عندما يجتمع أصحاب الأموال فى توقيتات متزامنة لطلب رؤوس أموالهم، إذ يهرب المستثمر الوهمى، أو يختفى أو ينتحر، وتتبخر مدخرات زبائنه.
 ويبدو غريباً أن سقوط أى من هؤلاء، والذين يُطلق عليهم لقب "المستريحين" فى مكانٍ ما، لا يمنع الناس فى الانخداع فى غيره ليتكرر السيناريو بتفاصيل مشابهة فى مكان آخر. وتطول المأساة أفراداً كثراً يبحثون عن دخل مرتفع وسهل، فيفقدون كل ما يمتلكون.
وتعكس الظاهرة عدة سمات مُجتمعية هامة لا يجب أن تمر أمامنا دون تدقيق وبحث ودراسة. وأولى هذه السمات فى رأيى تتمثل فى اتساع رغبة الناس فى تحقيق أعلى مكسب بأقل جهد، اتساقاً مع حلم الثراء السريع الذى ينتاب كثيراً من أفراد المجتمع، وهو طموح مجانى لا يُبدى طالبه استعداداً لتقديم أى جهد مقابل له.
وثانى السمات الواضحة هى أن هناك فتوراً كبيراً يسود فئات عديدة فى المجتمع تجاه وسائل وأدوات الاستثمار التقليدية فى البنوك والبورصة. ورغم ارتفاع حجم السيولة فى الجهاز المصرفى، ورغم الدعوات والمبادرات المتلاحقة للشمول المالى، فإنه ما زالت هناك فئات عديدة تُحجم عن وضع مدخراتها فى أوعية الادخار المعروفة، ربما بسبب إجراءات تبدو معقدة لهم أو صعوبة لتفهم وسائل وقنوات الاستثمار الآمن.
ثالث السمات هى أن نسب انتشار الأمية الاقتصادية، وضعف التفكير العلمى فى فرص ومخاطر الاستثمار مرتفعة للغاية فى بلادنا، حتى بين كثير من أولئك المتعلمين والحاصلين على شهادات جامعية.
كذلك، فإن الظاهرة تُدلل بوضوح على أن اتساع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعى، لم يخلق وعياً كافياً لدى الناس بخطورة توظيف الأموال مع الأفراد، بل على العكس من ذلك، فقد ساهم فى الترويج للمستريحين بين العامة.
إن أهم ما أقرأه فى هذه الظاهرة هو أن المجتمع المصرى شهد خلال السنوات العشر الأخيرة تغييرات واضحة فى بنيته وفى منظومة القيم السائدة لديه، بما ساهم فى شيوع رغبة الثراء السريع والمبالغ فيه لدى كثيرين. لقد كتب المفكر الكبير الدكتور جلال أمين قبل سنوات كتاباً مهماً بعنوان "ماذا حدث للمصريين فى خمسين عاماً؟" أشار فيه إلى أن أحوال الناس فى مصر تغيرت وتدهورت مجتمعياً بسبب التغيرات الاجتماعية الكبرى التى أحدثتها ثورة 23 يوليو 1952 بسرعة عالية ودون وعى بتبعات هذه التغيرات ثقافياً وفكرياً. وفى تصوره، فإن الانحدار الاجتماعى والثقافى والتعليمى وصل بالمجتمع لمستويات متدنية من الوعى السياسى والتعليمى، فساد الركود مناحى الحياة. وبعيداً عن اتفاقنا أو اختلافنا مع ما ذهب إليه المفكر الراحل، فإن تغيرات ما بعد ثورتى يناير 2011، ويونيو 2013، وتطور وسائل التواصل الاجتماعى، وهيمنة الخطاب الدينى المتطرف ساهمت كلها فى إحداث تغييرات حادة فى المجتمع المصرى، وهى تغييرات ينبغى دراستها والانتباه إليها.
وهنا، فإن على النخبة المثقفة والمجتمع المدنى، وقوى السياسة مسئولية حقيقية فى استكشاف مواقع الخلل القيمى، والسعى للإجابة بوضوح ومنهجية علمية عن سؤال: ماذا حدث للمصريين فى العقد الأخير؟ ما كان إيجابياً؟ وما كان سلبياً؟ وما ينبغى عمله فى الفترة القادمة؟
وسلامٌ على الأمة المصرية