رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

البحث عن المعقول

حظ اللامعقول بيننا أقلُّ بكثير من حظ المعقول !

وحظ الغفلة والجهالة والخرافة أعلى وأرفع من حظ العقل والوعي والاستنارة. والداعون إلى المعقول الباحثون عنه أقل نصيباً من التكريم والرفعة والاعتراف لهم بالجميل من أولئك الذين يسعون في الأرض فساداً ولا يحصدون غير الأوسمة جزاء ما يفسدون !

البحث عن المعقول في ثقافتنا العربية بالإضافة إلى أنه مزيّة فريدة من مزايا العقل المبدع الخلاق فهو كذلك بحث عن أبرز سمات المعرفة العقلية التي من شأنها أن تجعل لهذه الأمة طريقاً من التقدم والنهضة، تتضافر فيه الجهود المستنيرة لإقامة بناء فكري يعتمد على العقل وينبذ الخرافة ويشيد بمعطيات التقدم في تلقي المعرفة العقلية التي لا يختلف حول أهميتها بالنسبة للعصر الذي نعيشه إلا الجاهلون المتخلفون. هذا الاتجاه العقلي هو الاتجاه الذي يفرضه منطق الفكر المتقدّم حين يرى أنه من الضروري قبول الآخر الذي علينا جميعاً أن نعترف بقبولنا له، وأن نتحاور معه في جميع مناحي الحياة، بشرط أن تكون لنا أيديولوجية نستند عليها وننطلق في تحاورنا مع الآخرين منها، ولا يمكن قبول الآخر بغير الربط الدائم بين التقدّم والمعقول، وبيان الصلة الرابطة بين اللامعقول والتأخر والتقليد والرجوع إلى الوراء والصعود إلى الهاوية، وجميع مفردات الصلة الرابطة تلك هى على الحقيقة معالم على طريق تخلفنا الفكري والروحي والثقافي على وجه العموم.

وإذا نحن فقدنا مجموعة الروابط المشتركة التي تتوافق على مبادئ فكرية محددة تعبِّر عن هُويّة هذه الأمة وأنشطتها الفكرية، وتلزم أبناءها إلزاماً ضرورياً بمثل تلك المبادئ بحيث يُقال: هذا الفكر عربي؛ فقد فقدنا بالتالي أيديولوجيتنا. وأيديولوجيتنا العربية خيوط متشابكة تنسج من معقولية النظرة، ومن الاعتصام بكل ما هو عقلي إنْ في التصور وإنْ في التطبيق.

وإنه لواجب مقدَّس للأمة العربية نراه لا يتمثل إلا في الدفاع عن المعقول بحيث تتخذه دستوراً لها في حياتها إذا أرادت الانتقال إلى حياة النور والتنوير، وبحيث تترك تماماً طريق الظلام, الطريق المغلق المسدود. هذا إذا أرادت أن تكون حياتها في الحاضر والمستقبل أفضل من حياتها الماضية والحالية. إن طريق المعقول هو الطريق الذهبي، والذي يعدُّ معبراً عن أشرف ما في الإنسان في كل زمان ومكان؛ إنه " العقل " بغير مُنَازع.

بهذه الكلمات الوضيئة والمستنيرة جاءت الكلمة التي كانت على غلاف كتاب "البحث عن المعقول في الثقافة العربية : رؤية نقدية " والصادر لعدة سنوات عن مكتبة الثقافة الدينية لأستاذنا المفكر الجليل المرحوم الدكتور عاطف العراقي صاحب أغزر المؤلفات الفلسفية الضافية ورائد الاتجاه العقلاني في الفلسفة العربية، والمثال النادر للأستاذ الجامعي في زمن فقدنا فيه الأساتذة ولم يبق منهم في الغالب إلا الأشباه والأدعياء واللصقاء.

هذا المفكر الطُّلعَة الشغوف بالتأليف هو المفكر الذي أرتضى لنفسه وللامته العربية طريق المعقول تسير فيه، خَدَمَ الثقافة والتفكير بجهوده المضنية في سبيل تنوير العقول وتثقيف الأذهان وإعلاء صوت الفكر العقلاني, كان اتَّهم من أناس متخلفي العقول باتهامات هى أبعد ما تكون عن العقل والتثقيف وأدنى ما تكون قرابة إلى اللغط الأجوف يصدر بغير ذي معنى، وفي الذكرى الرابعة لرحيله - طيَّبَ الله ثراه - يطيب لنا أن نذكره فنتذكر أهم المبادئ التي غرسها في عقول تلاميذه ومريديه؛ فقد ظل أكثر من أربعين عاماً متواصلة بغير انقطاع عن الكتابة والتأليف يدعو إلى هذا الطريق الذهبي، طريق العقل والتنوير ويحارب بدعوته المستنيرة أنصار الجمود والانغلاق, ويخوض المعارك ضد خفافيش الظلام في كل مكان. تلك الدعوة التي أدت به إلى وقوفه أمام محكمة جنايات المنصورة في الخامس عشر من شهر مايو عام 1995م؛ لأجل تهمة مُلفقة أثيرت يومها حول مؤتمر كان عقد عن ابن رشد (595هـ - 1198م) الفيلسوف العقلاني ذي المنزع التنويري، فهمت من خلاله أقول المرحوم الدكتور عاطف العراقي فهماً خاطئاً؛ وأوَّلها البعض ممَّن لا يعرفون عن التأويل حرفاً، تأويلاً فاسداً يتناسب مع سوء الفهم وسوء الطويّة, فاندفع أحد المحامين إلى أن يرفع قضية ضده وفقاً لنظام الحسبة في محكمة جنايات المنصورة, وأستمر الموضوع عدة شهور. ونحن إذْ نذكره نذكر هذا الحادث المأساوي وهو من أثقلها وطأة على شعور الذاكرين, في الوقت الذي تقيّدت فيه حرية التفكير والتعبير؛ ربما كانت الذكرى تنطوي على أنشودة عذبة من الألم فيتفجر منها ينبوعاً لا يغيض من جرحات كبار تذكرنا بما كان يَلقاه المفكرون الأحرار من اضطهاد وتعذيب وسجن وتشريد, بل ونفي وقتل وتنكيل. وفي نفي ابن رشد, وتقطيع أطراف الحلاج, وقتل السَّهْرَوِردى, والتشهير بابن عربي, آلام قديمة باقية لهذا العَسَف الفكري الذي يفتعله الأغرار من الجُهَّال، طلاب الزيف الخادع والبهتان المضلل. ثم نذكر فلا ننسى مطلقاً بحثه الدائم عن المعقول حيث لم يجد من المفكرين والمثقفين من يدافع عنه، فضلاً عن أن يشاطره آلامه التي هى آلام عامة وليست بالخاصة الشخصية, كما لم يجد من هؤلاء الذين يتشدقون بحرية الفكر ويكتبون فيها صباح مساء مَنْ يقدر للفكر دوره وللعقل رجاله ..