رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا تستفز أمريكا الصين؟

تحت هذا العنوان نشر موقع إنفورميشن كليرينج هاوس مقالاً في 29 مايو للكاتب الشهير مايك ويتني يشرح فيه ما تدبره أمريكا للصين لمنع تغلغل النفوذ الصيني وتراجع النفوذ الأمريكي حول العالم خاصة في آسيا.

يقول ويتني: إن وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر مستعد للمخاطرة بإشعال حرب مع الصين لما يسميه الدفاع عن حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، فعندما تحدث كارتر في هونولولو بجزر هاواي يوم الأربعاء الماضي نطق بأقسي تحذير له مطالباً الصين بالتوقف فوراً عن مطالبتها بجزر سبراتلي المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، فقال بالحرف الواحد: «لا يجب أن يخطئ أحد نوايانا، فأمريكا ستطير وتبحر وتعمل في كل مكان يسمح لنا القانون الدولي به، كما نفعل في كل مكان حول العالم».. وأضاف كارتر أن أمريكا تنوي أن تظل القوة الأمنية الأولي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لعقود طويلة قادمة.

ولكي يؤكد للصينيين من هي القوة الأساسية في العالم حذر كارتر القادة الصينيين من أن أمريكا ستنشر سفنها الحربية وطائراتها التي تجمع المعلومات حتي مسافة اثني عشر ميلاً من الجزر التي تدعي الصين أنها تقع داخل مياهها الإقليمية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحدي أمريكا الصين بموجب أحكام الاتفاقية الدولية الخاصة بقوانين البحار، وهو القانون الذي أصرت أمريكا في عناد شديد علي عدم تغييره، ولكن القانون ليس هو الشيء المهم بالنسبة لكارتر الذي لا تقف عدوانيته عند حد، الأمر الذي أكسبه شهرة أنه أكثر وزير دفاع أمريكي عدوانية منذ دونالد رامسفيلد.

فما هو المعني الحقيقي لكل هذا الذي يحدث؟.. لماذا تكترث أمريكا لهذه الدرجة ببضعة تلال رملية لا يتجاوز طولها مائتي متر فوق الصخور في بحر الصين الجنوبي؟.. ما الخطر الذي تمثله هذه التلال الرملية للأمن القومي الأمريكي؟.. ألم تدخل كل من فيتنام وتايوان والفلبين في مطالبات مماثلة بجزر صخرية في بحر الصين الجنوبي دون أن يثير ذلك أي غضب في أمريكا؟

طبعاً طالبت فيتنام وتايوان والفلبين بمطالب مماثلة والشيء المضحك حقاً أن يعلن كارتر أن ثورته ضد الصين عندما تطالب بنفس المطالب هي من أجل الدفاع عن المبدأ السامي لحرية الملاحة، أليست هذه نكتة؟.. لم توقف الصين أبداً أو تعترض طرق الملاحة الدولية أو تصادر أي مركب يبحر في مياه دولية، ولا يمكن أن نقول نفس الشيء عن أمريكا التي قامت مؤخراً بإيقاف باخرة إيرانية محملة بمواد إغاثة إنسانية وأدوية متجهة إلي لاجئين يعانون المجاعة في اليمن. طبعاً عندما تكون أمريكا هي التي ترتكب هذه التصرفات يكون الأمر سليماً!

الحقيقة الواضحة أن أمريكا لا تكترث إطلاقاً بجزر سبراتلي، فالأمر مجرد عذر لتوجيه صفعة للصين وإثبات أن أمريكا هي صاحبة الكلمة العليا حتي في حديقة الصين الخلفية، ويعترف كارتر بذلك في تصريحه المذكور أعلاه عندما يقول إن أمريكا تهدف لأن تكون قوة الأمن الرئيسية في منطقة آسيا/المحيط الهادئ لعقود عديدة قادمة، وتعرف الصين بما يعني هذا التصريح فهو يعني أن أمريكا تقول: «هذا الكوكب هو كوكبنا، فلا تحاولوا الفكاك من هذه الحقيقة وإلا وجدتم أنفسكم في عالم من الضرر لكم»، هذا بالضبط هو ما يعنيه هذا التصريح.

ولذلك فلنواجه الحقيقة ونحاول شرح ما يدور في الواقع، ففي المستقبل القريب جداً لن يكون هناك من يتكلم عن أوكرانيا أو سوريا أو اليمن لأن كل الأعين ستكون مركزة علي الصين لأن وزير دفاعنا المجنون يحاول أن يشعل حرباً عالمية ثالثة، ولنعرض الأمر صراحة، فأمريكا قد تخلت عن سياسة «احتواء» الصين وانتقلت إلي «الخطة ب»، أي عزل الصين وتهديدها ومواجهتها، وفي رأيي هو سبب تخلي سماسرة السلطة المحيطين بأوباما عن هاجل وزير الدفاع الأسبق، فهاجل لم يكن «صقراً» بالدرجة التي ترضي هؤلاء السماسرة، فكانوا يريدون صقراً حقيقياً ينتمي إلي المحافظين الجدد، مثل كارتر الذي اعتبره أخطر شخص في العالم حالياً، فتعيين كارتر وزيراً للدفاع هو لتنفيذ السياسة العدوانية الجديدة التي تتضمن الإثارة والنزاع، وستثبت تصرفاته للمتشككين أن أمريكا لم تعد تهتم بإدماج الصين في النظام العالمي الذي تقوده أمريكا، لأنها تعتبر الصين أكبر تهديد لأمريكا وخطتها في السيطرة علي آسيا، وحتي نذكر القارئ بأهمية هذه السياسة لمستقبل أمريكا نسوق هذا التصريح لأوباما الوارد في كتاب إنجلهارت الأخير «قوة عظمي في حالة ارتباك»: «بعد حقبة حاربنا خلالها حربين كلفتنا الكثير من الدم والمال فإن أمريكا توجه اهتمامها الآن للإمكانيات الضخمة الموجودة في منطقة آسيا/المحيط الهادئ، وبينما ننهي حروبنا اليوم فقد أصدرت توجيهاتي لفريق الأمن القومي لدينا بأن يجعلوا وجودنا ومهمتنا في منطقة آسيا/المحيط الهادئ أولوية أولي لنا».

ومعني «أولوية أولي» هذا هو أن الصين التي تتصاعد قوتها بسرعة غير مسبوقة يجب العمل علي تقليل هذه السرعة واحتواء النفوذ الصيني بهذه المنطقة، وهذا هو السبب الحقيقي لإثارة الغبار حول جزر سبراتلي، بنفس الطريقة التي استعملتها أمريكا في الماضي، أي بتشويه صورة زعماء الصين في وسائل الإعلام، وحشد تحالف يقوم علناً بمعارضة نشاط الصين، وتوقيع عقوبات قاسية عليها اقتصادياً، والهجوم الاقتصادي علي عملتها وأسواقها المالية، واستبعاد الصين من الاتفاقيات التجارية المهمة، وإثارة اضطرابات داخل الصين عن طريق ما يسمي بالثورات الملونة عن طريق مساندة الأقليات المتمردة التي تعيش داخل الصين، كل ذلك هو المظاهر المعروفة للتدخل الأمريكي في شئون المنافسين المحتملين الذين يهددون سيطرة أمريكا علي العالم، فالصين تقف اليوم علي رأس قائمة المنافسين المحتملين للسيطرة الأمريكية علي العالم.

يعلم سماسرة القوة أن استفزاز الصين يتضمن مخاطر واضحة لهم وللعالم، ورغم ذلك فقد قرروا اتباع هذه السياسة الجديدة وفرض المواجهة مع الصين لماذا؟.. لماذا يقدمون علي سياسة تحمل كل هذه المخاطر؟

الرد ببساطة أنهم لا يجدون وسيلة أخري، فقد جربوا سياسة الاحتواء التي لم تنجح، فالصين تنمو بدرجة جنونية ونفوذها الإقليمي يهدد بإخراج أمريكا من الصورة، ويعترف كارتر نفسه بذلك خلال حديث أدلي به مؤخراً في معهد ماكين في جامعة أريزونا، فقد قال بالحرف الواحد: «نحن نري الآن دولاً في المنطقة تحاول الاستيلاء علي أسواقنا، وتوقيع العديد من الاتفاقات المنفردة في السنين الأخيرة يرتكز بعضها علي الضغط والاتفاقات الخاصة، اتفاقات تخرجنا من الصورة، وهذا يهدد وصول أمريكا لهذه الأسواق التي تنمو، وعلينا جميعاً أن نقرر بأن كنا سنسمح لذلك أن يحدث، إذا كنا نريد دفع صادراتنا واقتصاداتنا إلي الأمام وتدعيم نفوذنا وقيادتنا في أسرع مناطق العالم نمواً أو أننا سنستسلم لإخراجنا من الصورة ومن اللعبة كلها».

ألا ترون؟.. كل العمل هو من أجل الأسواق.. ويضيف كارتر في حديثه: «إن منطقة آسيا/المحيط الهادئ هي التي ستحدد مستقبل أمتنا، فنصف سكان العالم سيعيشون بها بحلول عام 2050، وأكثر من نصف الطبقة الوسطي في العالم واستهلاكها سيكون في هذه المنطقة، هناك حالياً أكثر من 525 مليون مستهلك من الطبقة الوسطي بها، ونتوقع أن يصل العدد إلي 3٫2 مليار بحلول عام 2030، والرئيس أوباما وأنا نريد تأكيد أن هذه المنطقة خلال القرن القادم ستكون أهم منطقة لرفاهية أمريكا».

وإلي هنا ينتهي هذا التقرير شديد الوضوح حول سياسة أمريكا العدوانية وأسبابها، منذ قرنين من الزمان قال عبقري سياسي استعماري يدعي نابليون بونابرت هذا التصريح: «الصين هي المارد النائم.. والويل للعالم يوم يستيقظ المارد».

 

الرئيس الشرفي لحزب الوفد