رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

رساله من فوق الماء


الدولة بالمفهوم القانوني والتاريخي عبارة عن أرض وشعب ونظام سياسي أو حكومة .. الأرض بدون شعب مجرد جغرافيا صامتة ، والحكومة بدون شعب مجرد قطعة آثار سياسية  .. المجتمع الكبير الذي نعبر عنه بمصطلح " شعب" هو كلمة الفصل في وجود الدولة  وأحوال صعودها وهبوطها .. ما أنجزته الدولة المصرية خلال السنوات السبع الماضية من مشروعات على الصعيد الاقتصادي محل تقدير واحترام ، وفعليا لم يتحقق خلال نصف قرن مضي ، ماتحقق خلال السبع سنوات الأخيره  - لكن -  مفهوم العمران اذا اقتصر على تغيير وجه المكان فإن قيمته لن تتجاوز المكان ، وستشيخ ملامح هذا العمران خلال سنوات قليلة . أما اذا اتسع مفهوم العمران ليغير من بنية المجتمع القديمه ، لتستوعب تراكمات التطور فإن الناتج الطبيعي سيكون تجربة تقدم حقيقية ، لها صفة الاستدامة في المكان والتطور في الزمان  .. المجتمع المصري ببنيته الراهنة مجتمع قديم أربكته وأعجزته المؤسسات  السياسية والدينيه قبل غيرها  . تجربة مصر الحديثه بعد الحملة الفرنسية ( 1798 – 1801 ) وحتى نهاية حكم اسرة محمد على 1952 بدأت فعليا عام 1805 مع حكم محمد على باشا وهي واعية لأهمية أن يكون الحصان الذي سيجر العربة القديمه المتهالكة حصانا متعلما مستنيرا . كانت مهمة حصان التحديث ليس جر العربة بقدر ماكان اصلاحها وتحديثها ونقلها من تيه التخلف إلى فضاء التقدم . اشكالية اسرة محمد على أنها لم ترى في حصان التحديث مجتمعا كاملا اسمه المجتمع المصري ولكن رؤيتها اقتصرت على بناء نخبة جديده تستغني بها عن المجتمع القديم . من هنا ظلت القشرة حضارية والروح جاهلية .. القشره براقة بالطهطاوي ومحمد عبده والافغاني وطه حسين ولطفي السيد وحسين هيكل وعلى عبد الرازق وغيرهم .. براقة بالمطابع والمدارس والبعثات ومصانع الورق والزيوت .. براقة بنموذج عمران فرنسي ساد قلب القاهرة وبعض من ضواحيها .. كل ذلك تركز في القشرة الخارجية للمجتمع .. تحت هذه القشرة وبطول البلاد وعرضها ظل يعيش مجتمع القرون الوسطى ، مجتمع مات وعيه وشبع موتا بسياط ومشانق الغرباء من غزاة وفاتحين  .. ثم كانت ثورة 1952 والتي من وجهة نظرى مازالت هي المرجعية الحاكمة لمؤسسات الحكم في مصر حتى اليوم . بالتأكيد تغيرت وتبدلت أحوال ، ولامست يد التغيير بنية المجتمع وحاولت غسل شرايين وعيه ، وتحقيق خروج آمن له من كهوف التخلف . حدث ذلك تحديدا في الحقبة الناصرية وتحديدا من 1954 وحتى 1967 ، لكن المسألة كانت سباحة جريئة أكثر منها غوص عميق ، ولذلك انتهى السباق قبل موعده .  وبعد قرابة سبعة عقود على ثورة يوليو 1952 أتصور أن المجتمع - والذي هو حصان التقدم الذي يجر العربة – لم تصل يد التغيير إلى بنية عقله الجمعي ، وإنما فقط لامست العقل من خارجه ، وطافت حول كعبته القديمة ، وفي لحظات النشوه قبلت حجارته وداعبت صخوره بمغازل الفن الحديث .. بقى المجتمع ولايزال طريح فراش الجمود والخوف والاستسلام لمؤسسات حكم تزوجت منه بعقد عرفى ، ومؤسسات دينيه أدخلته لبيت الطاعة بتهمة  التفكير ، والذي اعتبرته ولاتزال أم الكبائر ، وأن التوبة عنه بألف دنيا مما تعدون ..
مصر الآن أتصورها فى مفترق طرق ولاخيار أمامها للتطور والبقاء وفرض إرادتها إلا ببناء "كعبات" كثيرة للعلم والعقل .. لسنا بحاجة  لأنبياء أو آلهة جديده .. فقط بحاجة لمجتمع جديد يعى أفراده أن الإنسان خلق ليحيا وليس ليموت .. الموت فصل من فصول الحياه ، وحافز على الابداع ، وإلا ما كان بعالمنا هذا التراث الانساني العظيم من العلوم والفنون والذي تراكم عبر آلاف السنين  .. كبيرة الكبائر ليست في خصلة شعر تتدلى فوق جبين فتاه ، أو في ذراع عارية .. أكبر الكبائر أن نكون مجتمع مكشوف .. مجتمع بلا سقف من الفكر والوعي ، مجتمع يعيش في عراء الماضي ، ويحتمى به . لو تصورت الدولة - أي دولة - أن عقول الناس وطرائق تفكيرهم ، ومايعتقدون به ويصدقونه ليس من مهامها ولا من صميم وظائفها ، فإنها تتخلى تقريبا عن أسباب وجودها ، وتنزل بقيمتها من دولة صاحبة رسالة وصانعة حضارة إلى مجرد حارس بوابة لايهمه مايحدث بالداخل – المهم الواجهه ..