رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

من الخلافة إلى الملك 2/3

 

 

 

 

نحن كأمة مصرية فى أشد الحاجة لأن نكون سلفيين، وسلفيين جداً، ولكن من أرضية أننا أحفاد مخلصون للمستقبل وملتزمون بمقاصده العلمية والمعرفية. لو استطعنا أن نسقط سلفية القبور ونستبدلها بالانتماء لسلفية الطيور المحلقة فى أعماق المستقبل البعيد فستتغير حياتنا للأفضل.. البعد الاجتماعى للدين هو أساس القصة من بدايتها، وكما يعبر المفكر الأمريكى وأحد أكبر علماء الإنثروبولوجى 1926 – 2006 «كليفورد جيرتز: قد يكون الدين حجراً مقذوفاً على العالم، ولكن لابد من أن يكون حجراً محسوساً، وأن يقذفه شخص ما». والحقيقة أن تراثنا الدينى من اجتماع الثقيفة عقب وفاة النبى محمد، مروراً بحروب الردة، ثم قيام الدولتين الأموية والعباسية، حتى انهيار الخلافة العثمانية كآخر مظهر للخلافة عام 1924– كل هذه أحداث ووقائع وصراعات إنسانية تحكمت بها المصالح والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمواقف السياسية والفكرية. قراءة الفتنة الكبرى للدكتور طه حسين أكبر وأبرز تأكيد للتطورات الاقتصادية والاجتماعية وأثرها فى حياة الصحابة ومواقفهم وطريقة إدارتهم للصراعات التى واجهوها أو دفعوها بها.

المؤكد فى لحظتنا الراهنة أن نظرية الخلافة الإسلامية قد سقطت وطواها النسيان، وسواء جماعة الإخوان التى ظهرت بعد أربع سنوات من سقوط الخلافة العثمانية «1928» بكل ما جلبته من تخلف على الأقطار الإسلامية، أو تنظيمات كالقاعدة وداعش وغيرهما – كل ما تلا سقوط الخلافة العثمانية من محاولات سميت بالصحوة هى سكرات موتى، ومحاولات يائسة وغبية لإعادة إحياء موتى.. وعلى الجانب الآخر فإن كل النظريات السياسية والفكرية الغربية التى تنبأت بموت الأديان أمام طوفان العلم والمعرفة قد سقطت أو ثبت عدم صحة فرضياتها.. من قبل قرابة القرن ونصف القرن رأى ماركس وأنجلز أن الأديان ستنقرض سواء كجملة من الآراء والأفكار والمعتقدات أو كمؤسسات قائمة، وبعد أكثر من مائة عام ثبت أن تقدم المعرفة وحده لا يكفى لتحرير الناس من «الأوهام» الدينية، والعكس هو الصحيح، فإن هذه الأوهام ظلت باقية وستظل ما دام أن بؤس الأوضاع المادية لم يتحول إلى حركة اجتماعية تحرر الناس من الاغتراب وفقدان ذواتهم، ما يعقد مهمة الوعى بعالمهم.

الدين فى مصر والعالم العربى تحديداً حولناه من عقيدة تحرر العقل إلى ملك يستعبد العقل باسم الدين. والمسألة ليست سياسية بالدرجة الأولى كما قد يتخيل البعض من تكرار استخدام كلمة «مُلك» بضم الميم، وإنما الملك المقصود هو استفحال التخلف الناتج عن خداع الناس واستسلامهم لمن يفكرون بالنيابة عنهم.. هنا يتحول الوكيل بالتفكير إلى خليفة بالحكم والسلطة.. ومع تباعد الزمن بيننا الآن وبدايات الأديان – يهودية ومسيحية وإسلام – فإن الأشياء الكبرى من الماضى كما يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسى الرائد– إميل دوركايم– أصبحنا لا نعيها كما ينبغى وربما لأنها لاتستجيب لطموحاتنا الحالية.. ويضرب دوركايم مثالاً بالفكرة التى تتبناها المسيحية عن العدالة والأخوة الإنسانية التى انتهت اليوم إلى فضاء كبير من اللا عدالة واللا إنسانية، ويقول إن رحمة المسيحية تجاه المحرومين تعتبر اليوم نوعاً من الأفلاطونية المخاصمة للواقع.. ويختتم دوركايم تصوره عن فكرة ماضوية الأديان بالقول: إن الآلهة القديمة تشيخ وتهرم وتموت، ولكن هناك آلهة أخرى لم تولد بعد، وسوف يأتى يوم تعرف فيه مجتمعاتنا من جديد ساعات من الغليان الخلاق عندما تبرز مثالية جديدة. وكما يرى كثير من الباحثين فإن انتظار ولادة آلهة جديدة وبروز المثالية التى أشار إليها دوركايم ستجعل عمليات التوتر بين المقاربة الدينية والعلمية فى فهم العالم قائمة.

ما قاله إميل دوركايم بشأن مثالية المسيحية ومخاصمتها للواقع الآن، هو الأمر نفسه مع مثالية اليهودية ومثالية الإسلام – فكلاهما مخاصم للواقع بمرارة – والمتأمل للفكرة اليهودية التى أقامت إسرائيل يعرف أن المعتقد الدينى تحول إلى مفاعل نووى يدمر ويحرق.. كذلك المسلمون فقد اقتتلوا وقتل بعضهم البعض أكثر ألف مرة ممن قتلوا بيد الأغيار.. من هنا علينا أن نعى ببصيرة متقدة أن فكرة الخلافة ومبادئ الشريعة فى أى معتقد دينى متاجرة بالعقول وإعادة إنتاج للمُلك. وكم من أنظمة للحكم فى عالمنا العربى والإسلامى ملكية كانت أو جمهورية هى فى حقيقتها امتداد للمتاجرة بفكرة الحق والعدل ما دامت هذه الأنظمة مخاصمة لشعوبها وللحق والعدل، ومُقصية لعقول العامة، وغير رشيدة فى مقاصد الحكم.