رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

من الخلافة إلى المُلك1/ 3

 

 

السلفية فكر دينى وأيضًا فكر اجتماعى، والاثنان وجهان لعملة واحدة هى الجمود والتحجر والاحتماء من ضعف الحاضر بهوان الماضى.. حتى الفتنة الكبرى واستقرار الخلافة بالبيت الأموى كان القرآن الكريم محددا وموجها للمجتمع ودولة المدينة، ومع عبور الدين الجديد حدود الصحراء والقبيلة ممتدا إلى الشام ومصر والكوفة كبرت الدولة وكبرت الأسئلة، والأهم من ذلك كبرت مطامع الحكم وأهله وبات القرآن بأحكامه عثرة أمام تثبيت الملك وجلب المغانم.

هنا بدأ نسخ القرآن بالسنة النبوية، وكان فتح الباب لجمع السنة وتوثيقها فرصة للحكام لتفصيل الكثير من الأحاديث لخدمة ملكهم وضرب خصومهم، وأيضا كانت عملية نسخ القرآن بالسنة بابا واسعا لتحويل التدين من موقف حر وشخصى للاعتقاد إلى سلطة بيد الفقهاء والمتفاقهين يسوقون بها الناس كالقطيع، ومع نسخ حاضر الخلف بماضى السلف تلاشت المسافة والمعانى بين الله وكهنة الدين، ولم يعد معروفا هل الدين الحق علاقة خاصة بين الإنسان والإله الواحد الأحد، أم عبادة لآلهة بشرية يتحدثون كوكلاء عموميين للخالق الأعظم.. تمترس السلفيون وراء فكرة الدين النقى والأخذ من أزمنة الطهر فكرة باطلة وفاسدة من منشئها، لأن الله سبحانه وتعالى لم يمنح خلقه الحرية التى سيسألون يوما عن كيف حملوا أمانتها، إلا لأنه سبحانه مقدر لعظم المسئولية وأن الممسك بها كالممسك بجمرة.

إذن فكرة الكمال فى حد ذاتها فكرة مدمرة لأنها تعنى الجمود ورفض آلية التطور الطبيعى بدعوى هذا الكمال أو المثال.. الأخطر فى فكرة الكمال باسم الحاكمية وعدل الشريعة الربانية وطهر السنة النبوية أنها فكرة تسقط التاريخ من الحساب وتجمد الحياة من نشأتها لمنتهاها عند خمسين عاما تلت وفاة النبى محمد.. وهناك ما هو أخطر من الأخطر الذى أشرنا إليه، وهو أن إلغاء مدعى السلفية واتباعهم للتاريخ واختزاله فى خمسين عاما أعقبت وفاة الرسول تعنى اختزال التاريخ الإسلامى فى آراء بعض الفقهاء، وكأنه لا وجود لمجتمعات تطورت وأبدع أفرادها أحيانا.. جريمة اختزال ما يقرب من 1500 عام فى خمسين سنة فقط هى جريمة تؤصل لجريمة أفظع وهى ما يشبه الاحتقار والإنكار الكامل للتاريخ الاجتماعى للشعوب، واعتبار تاريخنا الإسلامى كله ليس سوى تاريخ بعض الفقهاء. هل من العقل أن تتصور أمة ما أن تاريخها ليس سوى تاريخ عدد من الفقهاء والمفسرين..  أى اختزال للتاريخ فى مجموعة من الفقهاء هو احتقار بيّن لمنطق التطور، وتسفيه مخل للشعوب والأجيال المتعاقبة ولقدرة الإنسان على الإبداع والتطور.

أوروبا التى نعرفها اليوم لو لم ترشد سلفيتها منذ القرن الرابع عشر الميلادى، وتفصل بين الدين والدولة لكانت أوروبا اليوم فى حالة أتعس مما نحن عليه الآن.. أليس لافتا لنظر الباحثين أن حزام التأخر والتناحر فى العالم الإسلامى بنسبة كبيرة هو الحزام الذى يلف العالم العربى.. أليس لافتا لنظر الباحثين وحتى الشعوب أن هذه المنطقة من العالم لم تشذ منها دولة واحدة وتؤسس لتجربة تقدم.. أليس محزنا أنه حتى عندما توفرت الثروة لدول النفط مثلا لم تنجح دولة واحدة فى إنجاز تجربة نهضة حقيقية.. أول فرضية يمكن أن نسوقها سببا لهذا التخلف الوبائى تكمن فى سلفية الفكر الدينى والسياسى والاجتماعى.