رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

أخلاقنا.. ضفيرة للولد وبنطلون أحمر «5»

أتابع معكم ما بدأته قبل أربعة أسابيع حول فساد أخلاقنا.. إلا قليلاً لأهمية تلك القضية ومصيريتها، فبدون أخلاق فاضلة وحميدة، لن نحصد ثمار ثورتينا «25 يناير و30 يونية»، ولن تجدى معنا أو تنفعنا ألف ثورة للتصحيح، ففساد الأخلاق كالوباء يقتل كل شىء طيب وجيد ومثالى، ولا يبقى سوى القبح، وسأتناول هنا جانباً مما صار إليه كثير من شبابنا من أخلاق.

فعندما تشاهد شاباً «طويلاً عريضاً» وقد أطلق شعره على كتفيه بعد أن دهنه بالزيت المعطر، وقام بفرده بالـ «سشوار» أو مكوى الشعر «ولا أجدع بنت»، أو قام بتضفيره، وربطه «بتوكة بفيونكة» أو لبس «طوق» شعر ملون فى منتصف رأسه، أو ربط على شعره ما يشبه الإيشارب الصغير الملون بلون علم أمريكا، مرتدياً قميصاً مزركشاً، وكأنه «استعاره» من أمه أو أخته، أما بنطاله، فحدث ولا حرج، تلون بألوان الأحمر والبرتقالى أو الفوشيا، أو تهلهل وتمزق تيمناً ببنطلونات جماعة «الهيبز» فى الستينات بأمريكا أو أوروبا.

ويسير الشاب بكل هذه المواصفات فى الشارع، متباهياً بنفسه، بحريته، متحدياً أباه وأمه «إن عارضوا أصلاً» وكل المحافظين على الأخلاق الرافضين أن يصبح الولد متشبها بالبنت، أو شاذاً عن طبيعته، ولا أتصور ويؤيدنى كثيرون، أن مثل هذا الولد يمكن أن يصبح شيئاً محترماً فى المستقبل، يمكن أن يعتمد عليه فى عمل جاد، أن يصبح رب أسرة مثالياً، أن يقود مجتمعا، أو يشارك فى بناء وطن، أن يتفتق ذهنه عن فكرة حضارية أو ابتكار علمى، أو حتى تفوق دراسى يمكن أن يفيد به نفسه أو غيره، لأنه منذ البداية استغرق فى عشق نفسه، فى تزيين مظهره كالبنات، فى الاهتمام بشعره وملابسه، وقضاء معظم ساعات النهار فى التفكير فى الصرعات والموديلات وقصات الشعر، وكل ما هو قشرى مسطح، غير عابئ برفض الآخرين وانتقادهم أو حتى احتقارهم له، لأنه يعيش فى هذا المفهوم الكاذب الخادع وهو «الحرية بلا حدود لحد الإباحية»، منطق «أنا حر ما لم أضر».

ويتناسى هذا الشاب وأمثاله، أن الحرية فى حد ذاتها مسئولية، وأن مظهر الإنسان جزء من شخصيته، جزء من ذاته، ولا يمكن لإنسان أن يفرض على الآخرين احترامه وهو بهذا المظهر الغريب، والمؤسف أن نبذ الآخرين له، أو ازدراءهم لمظهره، سيجعله يتقوقع أكثر داخل عشق ذاته، ويزداد انحرافاً وانفصالاً وانعزالاً عن واقع المجتمع المصرى، وبالتالى سيفقد فاعليته كعنصر فعال فى هذا المجتمع، ولن يدور إلا فى فلك إسعاد نفسه، مشاعره، لذاته، أى ستزداد بالتالى أنانيته ورفضه للمجتمع بعد أن بدأ المجتمع نفسه فى رفضه، وبالطبع سيقع على طيور من شاكلته، تغذى لديه المزيد من الخطأ والانحراف، ليصبح طريق العودة للصواب صعباً.. بل مستحيلاً.

وإذا يقول البعض إن هذا النموذج الذى أسوقه من أخلاقيات بعض الشباب فى بلدنا الحبيب، بأنهم قلة، أقول لا، لم يعودوا قلة، إذا كنت تراهم فى الجامعات، فى الأندية، فى الشوارع، فهذا لا يعنى أنهم قلة، بل يعنى أنهم بدأوا فى الانتشار، والتحول إلى ظاهرة، لها تأثيرها على نظرائهم، تأثير الكرة الثلجية، وخطورة هؤلاء لا تتمثل فى المظهر الغريب المرفوض، بل فى الأفكار التى يعتنقونها، ويتصور أنها الحرية، بدءاً من تدخين السجائر بالحشيش، مروراً بالخمور وارتكاب كل الموبقات، والعلاقات الجنسية خارج إطار المشروعية، بل إلى عالم المثلية الجنسية، لأنهم كأمثالهم ممن سبقوهم إلى هذه العوالم الإباحية فى الغرب، قد فعلوا وجربوا كل شيء، وفقدوا متعة الاندهاش والتجديد والابتكار فى أسباب إمتاعهم وتلبية رغباتهم وشهواتهم، فكان الملاذ الأخير لهم هو الشذوذ الجنسى.

ويؤيد ما أقوله تلك الشبكات المتتالية من جماعات الشواذ التى تسقط يوماً بعد يوم فى أيدى رجال الأمن بمصرنا المحروسة، وانتشار الشذوذ فى الأندية الرياضية، وفى صالات «الجيم» وبمراكز العلاج الطبيعى، وغيرها، واكتشاف شخصيات شهيرة وثرية داخل هذه الجماعات، مما يؤكد خطورة ما تصير إليه الأوضاع الأخلاقية من انحدار وانهيار، فالانحراف الأخلاقى طامة كبرى إذا ما استشرى فى مجتمع أفسده، وتسبب فى هدم أكبر الحضارات وأعظم الدول، فهو كالسوس ينخر فى الأساس، فى البنية التحتية الإنسانية ليخربها، ويجعلها مهلهلة.

وبالله عليكم، كيف يمكن أن يكون ويفعل بالمجتمع تاجر، معلم، طبيب، مهندس، محام، عامل، عالم، أو أى ممتهن أى مهنة وهو بلا أخلاق، كيف سيكون سلوك اى من هؤلاء مع الآخرين وهو يتعامل معهم بلا خلق، بلا مبادئ، بلا خوف من الله، ما أقوله ليس غريباً، لأننا نتعامل يومياً وفى كل ساعة بل دقيقة مع نماذج بشرية من هؤلاء، نماذج تكذب، ترتشى، تسرق، تنافق، تظلم، تغتاب، تنافق، تنم، تحقد، تبخل، تتجسس، تتكبر، تتعامل بلا حياء، تسىء الظن، تخلف الوعد، تمن، لا تراعى أدب المحادثة، ولا أدب المجالسة، تعق وتسىء التعامل مع الوالدين، تسىء معاملة الآخرين، تغلظ القول، هذه النماذج تجعل مجموعة «إلا قليلاً» تكره الحياة، تلعنها.

ومن خلال قلمى لأنه أهم وجل ما أملك فى الحياة، أكتب لهؤلاء.. أرجو من كل منهم  أن يواجه نفسه، أن يقف أمام مرآته الذاتية ويحاسبها، أن يشعر أنه بين يدى ربه، ليواجه عمله، حسابه، عن كل شاردة وواردة، عن كل عمل ولو بحجم حبة الخردل، حجم مثقال ذرة، أن يشعر ولو فى لحظة واحدة بالخوف من الله، من الموت، يوم يدخل قبره.. وحده، بلا مال ولا بنون ولا زينة، أى زينة من الدنيا، حين ينصرف الجمع من حوله، ويتركونه فى مربع مظلم ضيق، سيكون طريقه إلى جنة الخلد أو إلى نار أبدية، أرجو أن نعود إلى طبيعتنا الإنسانية، أن يسرع كل أب ليعيد النظر فى تربية أطفاله وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فهذا أفضل وأجدى من لهثه وراء أموال الدنيا، سوء التربية هو قلب بؤرة الفساد، ولا ننسى أننا نعد أجيالاً، وأن الأبناء يرثون طباع الآباء.. وللحديث بقية.

 

 

[email protected]