رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أن تكون حراً...!!

أن تكون حراً فى مجتمع يرعي الحرية ويؤمنها غير أن تسير لا تلوى على شىء فى مسار عشوائى يواجهه من المطبات والاصطدامات ما يواجهها... والطفل فى بلادنا حين يذهب إلى مدرسته فتتشكل المعالم الأولى للخريطة الذهنية فى رأسه على أثر ما يتلقى من معلميه الأوائل...ولم يزل التلاميذ عندنا يحصدون الانطباعات السياسية المشوهة العشوائية للأساتذة الذين تخرجوا في كلياتهم ليصبوا تلك الابتسارات التى يحملونها فى مجافاة للتربوية... ولعل أول التوجيهات دفع بنات الصغيرات لارتداء الحجاب... أحاديث مشوشة عن الحلال والحرام... هذا ما يلقى لأبنائنا فى المدارس فضلاً عن الأفكار الطائفية وما تيسر منها لدى كل مدرس.

< ومع استمرار العملية التعليمية فى المراحل الدراسية المختلفة يحاصر التلميذ بالتلقين الدراسى من الأستاذ والكتاب المدرسى ويفقد تدريجياً قدرات المبادرة والسؤال والدهشة والبحث... ليصبح أسير نموذج الامتحان وما يثرثره المدرس فى تكرار مشوه للأجيال المتعاقبة... وعندما تتلقفه الجامعة فلا يرى تغييراً جاداً فيما يتلقاه... فكتاب أستاذ المادةهونفسه كتاب المدرسة والدرس الخاص... وحصار المدرس فى المدرسة هو نفسه الامتثال لما يتقوله أستاذ المادة بل لعل حده الحصار وتشددها يكون أكثر ازدياداً فى الجامعة... ولايرى بحثاً ولا مراجع ولامكتبة والمفارقة أن يحدث هذا فى ظل ثورة الاتصالات والمعلومات ولكن أجهزة بنية العقل لدينا تغط فى ظلام الجهل والمصالح الشخصية الصغيرة وميراث الاستبداد والقهر لكل ماهو مشرق ومضىء.

< وبتخرج الطالب في الجامعة يتجه للعمل ـ اذا تمكن من الالتحاق به ـوفى كل الأحوال سواء كان حكومة أو قطاعاً عاماً أو خاصاً فإن اتباع تعليمات الرئيس المباشر هى الجسر الآمن للبقاء وأكل العيش... وتتراكم خبرة الانصياع والطاعةوالمداعبة الخفيفة، والثقيلة للرؤساء كل حسب المواهب الداخلية التى يمتلكها... وطابور صناعة النفاق فى بلادنا طويل.. طويل.. ملتف على روح البلد وامكانية انطلاقه وخروجه من النفق المظلم...!!

< وتاريخ صناعة النموذج الطيع اللين المنحنى مرتبط بتاريخ الوظيفة الحكومية منذ بدايتها فى عصر محمد على... وبلغت ذروتها فى ستينيات القرن الماضى العصر الذهبى للتوظف ولصناعة الانحناء أيضاً... وقد استطاع القطاع العام والتوظف الحكومى خلق مجموعة سلوكيات وأنماط التعامل على مستوى البقاء الآمن وأكل العيش بعيداً عن المشاكل وأيضاً أنماط التربح والانتهازية والسرقة... ولكنهم جميعاً مشتركون فى فكرة الانصياع التام للرئيس والابتعاد عن أفكار المبادرة والتجديد واتباع التعليمات السائدةمن لوائح وأعراف... مما له أكبر الأثر فى القضاء على أفكار التجديد والابتكار وأيضاً روح الشباب... رغم أن بلادنا من البلاد التى يبلغ فيها من هم أقل من 35 عاماً أكثر من 65٪ من تعداد السكان بما يعنى أننا بلد شاب.

< فى الحقبة الشمولية ازدهرت روح التبعية ولم تعد ممارسة العمل العام والظهور الإعلامى خلال فترة التليفزيون المحتكر للدولة إلا بأوامر... ممارسات التبعية والاستحذاء ألقت بظلالها على العمل العام الحزبى والنقابى والأهلى وأصبح لكل رئيس اتباعه وأصبحت الاحتكاكات الشخصية وآثارها هى المحدد لخريطة تشكيلات العمل العام المختلفة... الاقتراب من الرئيس ومن صناع القرار هو المسار الأسهل والطبيعى لعلاقات العمل العام... قوانين الحقبة الشمولية فى عهود ناصر والسادات ومبارك صنعت المظلة الأمنية الحديدية مساحة العمل العام فابتعدت عنها الناس العادية... وعندما هبت رياح التغيير والثورة.... كانت قوى العمل العام جثة هامدة.

< لم تكن معركة القوى السياسية والعمل الأهلى والنقابى فقط استعادة ممارسات ووجود العمل العام بأشكاله الحزبية والنقابية والاجتماعية فحسب.. بل إن معركتها الحقيقية استعادت حرية المواطن ومبادرته وروحه الإنسانية التواقة للخلق والمشاركة وصناعة المستقبل... ممارسات العمل العام المكبلة بأغلال الشللية والشخصية وافتقاد روح الانسان والسائرة بطريقة ميكانيكية طبقاً لمناخات  التبعية والانقياد وكافة طقوس الشمولية المسمومة... أصبحت كابوساً يسيطر على امكانية نجاح العمل الحزبى والنقابى والأهلى.

نجاح منظومة العمل الجماعى يقتضى مواجهة حقيقية مع كافة الممارسات التى أدت الى وأد روح الإنسان وتحويل علاقات العمل الجمعي الى حسابات منفعة وشللية وهذا يبدأ من التعليم والثقافة العامة مما يكون له أثره على الوعى العام... تطبيق القانون على الجميع وأن تكون الكفاءة هى معيار الاختيار والترقى.. كل هذا يفتح أبواب الأمل لأن نستعيد إنسانيتنا وقدرتنا على المبادرة والاختلاف الموضوعى ودفع الناس الى حلبة المشاركة والوجود... فهل نستطيع..؟!!