رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

عطر الأحباب

إيليا أبو ماضي

 

 

 

للجيل الأول من شعراء المهجر سمات فنية وفكرية ذات خصوصية غير مسبوقة، تتراجع حتى التلاشى عند الأجيال التالية. قد لا يخلو شعر ايليا من قصائد تخضع للأغراض التقليدية فى تراث الشعر العربى القديم، مدحًا وهجاءً واحتفاءً ببعض الرموز الدينية والسياسية، لكن الشاعر العملاق يبقى من علامات الشعر العربى عبر مختلف العصور. بطولة مطلقة للهم الإنساني، مراودة الإمساك بمعنى وحكمة الوجود، القدرة على بث روح جديدة تحقق للقارىء المرهق شيئًا من التوازن والتعايش قدر المتاح مع منغصات الحياة.

جبران خليل جبران ناظر المدرسة، الأعظم شهرة والعابر لحدود الثقافة العربية، لكن شعره القليل العميق لا يمثل الجانب الأهم فى إبداعه المتنوع الثري، وميخائيل نعيمة فى حياته وكتاباته مفكر فذ من طراز استثنائى بلا شبيه، أما ايليا «1889-1957» فلا يمكن تعريفه إلا بكلمة الشاعر، ولعل البيت الأخير فى قصيدته «قال السماء» هو المفتاح الأهم لفهم عالمه الرحيب:

« قلت ابتسم.. ما دام بينك والردى

شبر.. فإنك بعد لن تتبسما»

الإحساس العارم بالموت حاضر دائما فى شعره، والتعلق المفرط بالحياة نتيجة منطقية لإدراك حتمية النهاية التى لا مهرب منها ولا نجاة. الاستمتاع الخالص بالملذات ليس مطروحًا أو ممكنًا، ففى الوجود المؤقت الهش يصطدم الإنسان بعشرات الألغاز والأسرار التى تنغص عليه صفو حياته، ومن هنا عبقرية ملحمة «الطلاسم» التى تُشهد البحر والدير والقبور والقصور والأكواخ وعتاة المثقفين والمفكرين فى كل العصور؛ تشهدهم على استمرار الحيرة والصراع والعراك، وانتصار طوفان الأسئلة على كل محاولات الإجابة التى لا تكتمل. فى الأسئلة مزيج منعش من الغموض والمتعة، وهل تكتمل إنسانية الإنسان إلا بهما؟.

لا شبيه أو نظير لملحمة ايليا هذه فى تاريخ الشعر العربي، فهى مختلفة متفردة شكلًا ومضمونًا، يجد فيها كل قارىء فصولًا موجعة من همومه وهواجسه المزمنة التى لا تنتهي. يجمع الشاعر فى طلاسمه بين براءة الأطفال وحكمة العجائز وأزمة ملايين الملايين ممن يكتشفون، بعد فوات الأوان، أنهم يتهيأون لمغادرة الدنيا ولا يعرفون شيئًا ذا بال عن جدواها.

الشاعر الشاعر هو من يحرك العقول الآسنة الراكدة، ويلتقط الجزئيات الصغيرة المتناثرة بحثًا عن قانون عابر للنظريات المحنطة سابقة التجهيز، تلك التى تتفنن فى استخدام المعقد من المصطلحات عصية الفهم.

ينتهى الأمر بايليا إلى مبايعة الحب دواء وحيدا ناجعا لا شفاء لمرضى الوجود إلا به، ويدين بلا تردد قطيع الأغبياء المتنطعين الذين يكرهون الحب ويصلبون المحبين. الحب عند ايليا فوق الأديان والانتماءات العرقية والثقافية والأفكار السياسية والفوارق الطبقية، والله عنده محبة خالصة لا متسع فى رحاب رحمته غير المحدودة للخوف من أهوال الجحيم والعذاب؛ البضاعة التى يتعيش الكهنة المحترفون على الترويج لها والتكسب منها.

ليس من مأساة فى حياة الإنسان تفوق توهم القدرة على أن يخوض معركة ضد الموت، ذلك أن كلمة «المعركة» تعنى وجود فرص متساوية فى الفوز والهزيمة، أو ربما التعادل الذى لا فائز فيه أو مهزوم. فى العلاقة مع الموت لا أمل فى الانتصار، والتسليم بحتمية الهزيمة لا يترك خيارًا إلا السعى للاستمتاع بالقليل المتاح قبل أن يندثر ويتبخر، لكن الإنسان عنيد بطبعه، ومغرور أيضا يراهن بلا منطق على معانقة المستحيل. ليس فى هذا كله ما يعيب أو يشين، ذلك أن الإنسان كائن عظيم مختلف، بقوته وضعفه، وذكائه وغبائه أيضا، وهو لا يملك أن يعيش وحيدا:

«خلتُ أنى فى القفر أصبحت وحدي

فإذا الناس كلهم فى ثيابي»

.. هذه هى المسألة!.