رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سيرة وخواطر

كان ذكياً لدرجة الدهاء, مناوراً لدرجة الخديعة, ناعماً إلى درجة الالتواء, مطيعاً حتى الممالأة, هادئاً حتى التربص, مرنا حتى التقلب, طموحاً وصولاً إلى درجة الجشع, لماحاً وصولاً لاكتشاف مكان الضعف فى نفوس البشر, مصانعاً حتى المكيدة,  مجارياً لمن فوقه, متسلطاً على من تحته, هكذا كان (معاوية بن أبى سفيان) كان مثالاً حياً لتبرير الوسائل للوصول لغايته, كان بروفة مسبقة لـ «ميكيافيلى» حيث الغاية تبرر الوسيلة.

كان (معاوية) رجلاً لكل العصور, يمثل دهاء العقل البشرى فى اللعب على ضعف المشاعر الإنسانية, يؤمن بالمصلحة والولاء لشخصه أهم من الولاء للمبدأ, يحصل على الولاء بكل الوسائل: الإقناع, القتال, الأطماع, الرشوة, الخديعة.. كان (معاوية) نموذجاً جديداً للحاكم, كسب من أحلامه عبادة السلطة وأطماعها, وكسب من عصره إغراء الدنيا, بعد أن كان الحاكم فى زمن (عمر بن الخطاب) يبنى المواطن أولاً, ليجعله أفضل مما هو عليه, أبرز مزاياه وأجل طموحه, جعل من مزاياه إضافة للمسلمين وجعل من عيوبه ضد عدوهم, أجل طموحه وغلفه بقضية أخرى يدارى بها قضيته الحقيقية.

اجتهد (عثمان بن عفان) فأصاب واجتهد أحياناً أخرى فأخطأ, لم يضع ضابطاً متفقاً عليه لتوزيع الثروة, فنالت الثروة من أهله ومست نزاهة الحكم, وكذلك لم يضع معايير لتولى الحكم فى الولايات, فتولى أقاربه الولايات الكبرى ومست من نزاهة الحكم أيضا. وصارت المساءلة قرباً وولاء قبل الكفاءة, فحينما لا تحدد المعايير تختل النزاهة, ومن الاختلال ينقسم الرأى, ومن الانقسام تضطرب الرؤية, ومن اضطراب الرؤية تهتز الدول, ومن الاهتزاز يولد التمرد.

كانت قضية «من قتل عثمان بن عفان»؟.. غلافاً لطموح (معاوية) الشخصى نحو الخلافة والاستئثار بها, فبدلاً من أن يبايع الإمام (على بن أبى طالب) طرح قضية من قتل (عثمان) لتعطية الشعبية المفتقدة.

فقد كان (على) يمثل الدين والضمير, الصدق والحق, المبدأ والشرعية، أما (معاوية) فمثل الدنيا والقوة, الثروة والأمر الواقع. (على) يخاطب فى الناس دينهم وضميرهم, و(معاوية) يخاطب فيهم دنياهم وجيوبهم. (على) يحثهم على نصرة الدين ويعدهم بالثواب فى الآخرة, و(معاوية) ينمى فى الناس أطماعهم و يعدهم بالثواب فى الدنيا الآن ونقداً.

وخلال نزاعه مع (على) تفتق عقله للعديد من الحيل, أخضع ولاة وأسقط آخرين, لعب على أطماعهم وإقناعهم, إرهابهم وخديعتهم, أوقع بينهم وبين (على). إلى أن قتل (على), فنسى (معاوية) من قتل (عثمان) واستتب له الملك.

انتهى من الحصول على البيعة لابنه فى دمشق, ورتب لها بالسيف فى مكة والمدينة.  وضع (معاوية) مبدأ «الوراثة فى الحكم» فكانت بذرة الاستبداد السياسى, وتحت شعار «وحدة الكلمة» سوف يصادر السلطان كل كلمة, وتحت شعار «حماية الإسلام» سوف يحمى السلطان نفسه  بأن يصادر عقول المسلمين ويقطع ألسنتهم,  فكانت مقولته الأشهر «أنى لا أحول بين الناس وألسنتهم, مالم يحولوا بيننا وبين سلطاننا) وكان نتيجة لاختلاط الدين بالسياسة أن المسلمين لم يعرفوا على وجه الدقة أين تبدأ وظيفة الخليفة سياسيا فيحاسبه الناس, وأين تنتهى مهمته دينياً فيحاسبه الله؟!

امتدت الخلافة فى عهده واتسعت فى عهد خلفائه, فوصلت للأطلسى غرباً وعبرت المتوسط شمالاً وأخضعت الشرق الآسيوى شرقاً, وهددت القسطنطينية شمالاً.

فالمؤرخون المسلمون فى الغالب لم يتركوا لنا تاريخاً, ولكنهم كتبوا لنا تقارير أساسها الحب والكراهية, فنلعن بلا مبررات ونحب بغير أدلة وشهادات.

مات معاوية ويتذكره التاريخ بشعرة معاوية (بينى وبين الناس شعرة إن هم شدوها أرختها وإن هم أرخوها شدتها).

اتسع الفارق ما بين «رمضان» كما جاء فى الكتاب وفى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, و«رمضان زماننا هذا» فزاد إحساسنا بالغربة عنه والاغتراب فيه,  فكلما تغيرت المفاهيم ابتعدت المسافات.

لم يفرض الله سبحانه وتعالى الفرائض فى الشهر الكريم لتعذيب البشر بها,  بل هى فرصة للمسلمين للسمو الروحانى بالعيش فى ملكوت الله, يقول الله تعالى (أفلا يتفكرون فى خلق السموات والأرض), والرقى الخلقى فى معاملتهم فيما بينهم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, والسمو بمشاعرهم ليحس غنيهم بفقيرهم, قويهم بضعيفهم, أصحاؤهم بمرضاهم فكما قال الرسول الكريم (بالجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كله, وإن فسدت فسد الجسد كله).. ألا وهى القلب.

فالصوم فرصة لتدريب النفس على تقواها وتقويم اعوجاجها, إن رمضان فرصة يهبها الله عز وجل للمؤمنين كل عام لتجديد الحياة,  لنكون إلى الله أقرب بالصلاة والقرآن, وبذكر الله آنس عمن سواه. فقد جعل الله الفرج فى الرضا واليقين, وجعل الهم والحزن فى السخط والشك.

«الباب دائماً مفتوح للدخول.. فلم القرع» من أقوال السيدة رابعة العدوية.