رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فن الصيد بالإغواء السياسى

الصيد بالإغواء السياسى هو أحد وأهم أنواع السيطرة الأمريكية على مقدرات  الشعوب. وكلنا يعرف أن حلم الاستيطان الأمريكى ليس له حدود، ولكن أمريكا فضلت فى البداية التهام العرب ومنطقة الشرق الأوسط لكونها تشكل المنطقة الرخوة والحلقة الأضعف، في مشروعات التمدد الإمبريالي الأمريكي، وبذلك تضمن رفع معنويات جنودها وإرهاب المنافسين والأعداء المحتملين. وهو ما عبر عنه جان بريكمون: «قررت الولايات المتحدة أن تكون أولى ضرباتها في المنطقة الممتدة من البلقان إلي آسيا الوسطي إلي الشرق الأوسط والخليج. ليس لأنها تؤوي اعداء خطيرين، فالعكس هو الصحيح، ولكن لأنه البطن الرخو للنظام العالمي».

وخطة أمريكا فى هذا المضمار كانت واضحة باختيار المعارضين للنظم السياسية في البلد المستهدف غزوه، بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية، يميناً أو يساراً ليبراليين علمانيين إسلاميين قاعدة، وتدريبهم على أعمال الشغب وتحريك المظاهرات، وعناصر أخرى على الأعمال القتالية وحرب المدن، وغالباً ما تكون طويلة الأمد، عبر تنمية وتطوير قوى الثورة الشعبية تدريجياً والاستفادة من القوى والإمكانيات الكامنة لأن إطالة الحرب تعطي فرص كبيرة لتطوير القوات عبر القتال والممارسة وتحويلها من قوات متواضعة الإمكانية والفعالية إلى قوات ذات فعالية عسكرية وسياسية على المستوى الإقليمي والوطني، مع الاهتمام بتأسيس قنوات إعلامية قوية لشن حرب باردة على النظام الحاكم في البلد المستهدف بالغزو، وإعداد سيناريوهات إعلامية تواكب عملية الغزو، أو الثورة.

وبمجرد خروج مظاهرة معادية للنظام تبدأ الحملة الإعلامية القوية، تحت عنوان إسقاط الديكتاتور مستندة إلى المزج بين الحقائق التى تعيشها الشعوب من ظروف اقتصادية صعبة وفساد مستشر، إلى جانب سلسلة من الأكاذيب المفبركة بتقنية عالية والتى تساعد على هدف أمريكا الرئيسى وهو سقوط الدولة، وتتسلح تلك القنوات بكل الصور والتسجيلات المتعلقة بقمع التظاهرات في العالم، وبصور قتل المدنيين وتدمير المنازل والمباني في الأماكن المشابهة، حتى تلك التي قام بها أمريكيون، لتجنيد الرأي العام الأمريكي والغربي والعالمي والمحلي ضد النظام السياسي المستهدف. ونجحت تلك الحملات الإعلامية في البلدان العربية نجاحاً باهراً فالذاكرة العربية ضعيفة وسماعية، والغزو الناعم والصيد بالإغواء، هو الوسيلة المثلى للسيطرة على المنطقة العربية والإسلامية، واستخدم هذا الأسلوب بعد تنامي مشاعر العداء لأمريكا عقب غزوها لأفغانستان والعراق، وظهور دعوات في أمريكا لتحسين صورة أمريكا في العالم، واستخدام القوة الناعمة التى دعمها بقوة الرئيس الأمريكى أوباما حتى أنها ذكرت أكثر من مرة فى خطاب توليه السلطة فى الفترة الرئاسية الأولى، تعني القوة الناعمة أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره وهو مفهوم صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفارد لوصف القدرة على الجذب والضم دون الاكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع.

في الآونة الأخيرة، تم استخدام المصطلح للتأثير على الرأي الاجتماعي والعام وتغييره من خلال قنوات أقل شفافية نسبياً والضغط من خلال المنظمات السياسية وغير السياسية. إذ قال جوزيف ناي إنه مع القوة الناعمة «أفضل الدعايات ليست دعاية»، موضحاً أنه وفي عصر المعلومات، تعد «المصداقية أندر الموارد»!

ولأن التواجد المباشر للقوة العسكرية الإمبريالية في المستعمرات (الاحتلال)عامل استفزازى للسكان، يدفعهم للمقاومة الشرسة لذلك اعتمدت الإمبريالية الأمريكية أساليب جديدة تستهدف خلق قوة موالية من سكان البلد المستهدف، ودعمهم بالسلاح ثم التدخل بضربات جوية وصاروخية لترجيح كفتهم، كما حدث فى العراق وليبيا، ثم تباشر التدخل العسكري لمصلحتها. وبمجرد تمكينهم من السيطرة على مفاصل الدولة تنسحب منها، مع الاحتفاظ بقواعد عسكرية فيها تدعم الحكومة الموالية، وتكون عيناً للولايات المتحدة على القوى الإقليمية النشطة وتحركاتها في المنطقة.. ويسير هذا جنباً إلى جنب مع قلب أنظمة الحكم، وصناعة حروب أهلية طائفية وقبلية وخاصة فى البلدان العربية والإسلامي المؤهلة لذلك!

وتستخدم المنظمات الدولية لإضفاء الشرعية على الأعمال العدوانية للولايات المتحدة والناتو ضد البلدان الأخرى لأن القانون الدولي يدين التدخل في شئون الدول الأخرى ويدعم السيادة الوطنية، لذلك تلجأ أمريكا وذيولها إلى تقويض مفهوم السيادة الوطنية من خلال تلك المنظمات بممارسة ضغوط مختلفة لفرض صيغة حق التدخل لأسباب إنسانية، بينما هو فى الحقيقة يعطيها الفرصة للتوسع تحت ذرائع التدخل لحماية المدنيين. والعجيب أن أمريكا لم تستخدم مبدأ حق حماية المدنيين، من أجل حماية الشعب الليبي من القصف الجوي – والذي أفضى إلى قرار مجلس الأمن بخصوص فرض منطقة حظر الطيران –، وإنّما استخدمه لقصفه لليبيا لكي يمكن المتمردين من قتل القذافي وتدمير البلد والمنطقة. ويتزامن كل هذا مع تكريس الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على العالم من خلال إدماج الأسواق المحلية في السوق الدولي، وتعميم مبدأ كلينتون الداعى إلى جعل الولايات المتحدة تستخدم القوة في مواجهة سياسات الحماية الاقتصادية، والتحكم في الطاقة والموارد الطبيعية التي قد تنتهجها البلدان المالكة أو المنتجة لها، وكل هذا يصب فى النهاية فى صالح أمريكا التى تمارس فن الصيد بالإغواء السياسى، بحرفية لا يقدر عليها سواها!