رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

إنسانية محمد

حينما يحل شهر ربيع الأول من أى عام هجرى جديد تحل علينا الذكرى العطرة لمولد المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وكم أشعر مع حلول هذا الشهر المبارك بأنواره (صلى الله عليه وسلم) تملأ جنبات الوجود وتتخلل ذرات الهواء ليتنفس البشر بل كل الكائنات نسمات الرحمة والبركة. إن محمداً لم يكن شخصاً عادياً، بل كان طاقة النور التى أنارت للبشرية طريقها الوضاء نحو الإيمان الحقيقى بالتوحيد، نحو التحول من عصور جهلت فيها الإنسانية معنى التوحيد الحقيقى رغم نزول الرسالات السماوية منذ نوح إلى عيسى عليهما السلام. لقد كانت البشرية تتخبط بين ديانات بشرية ألّه فيها البشر بعض المصلحين وحولوا رسالاتهم الإصلاحية إلى ديانات روحية منذ بوذا وزرادشت، ومن لم يكونوا يعبدون البشر عبدوا الحجر فى الجزيرة العربية وعبدوا الحيوانات والظواهر الطبيعية فى معظم بلاد الشرق وبلاد اليونان.

وكم كانت مصادفة جميلة بحق أن يهدينى قبيل هذه الذكرى العطرة لمولد سيد الخلق هذا العام د. حسين صبرى أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الشيخ زايد بدولة الإمارات كتابه الصادر تواً بعنوان «إنسانية محمد» وأنا أفكر وأعايش الذكرى بكامل الكيان وبحنين لا يفتر أبداً نحو هذه الحقبة الذهبية من تاريخ البشرية، حقبة حياة محمد، تلك السنوات التى لو خيرت لكنت أختارها لأكون بقرب هذه الشخصية الفريدة المتفردة بكمال لم ولن يطوله أحداً من البشر.

إن الكتب التى أرخت لسيرته العطرة منذ ابن إسحاق قديماً إلى محمد حسين هيكل وعباس العقاد وخالد مجمد خالد حديثاً كثيرة ويفوقها الحصر لكن هذا لم يمنع كاتبنا ولم يثنه عن أن يكتب ما كتب عن إنسانية محمد، ليس تقليداً لتلك الكتب التى خاضت فى سيرة سيدنا وسيد الخلق محمداً، وليس قصاً لأحداث حياته وسرداً لمواقف تظهر مدى إنسانيته وكمال أخلاقه، بل كتب بمنهجيات علمية جديدة تضع المعايير الموضوعية لمعنى الإنسانية وتتناول السيرة من خلالها مؤكداً رؤى السابقين من المؤرخين والدارسين العرب والأجانب، وداحضاً الكثير من صور التزييف التى زعمها البعض قديماً وحديثاً. لقد تناول إنسانية محمد فى القسم الأول من الدراسة من منظور الاتساق والتمايز، مبيناً أنه رغم اختلاف وجهات النظر الذاتية حول السيرة النبوية (التمايز) إلا أن الجميع ينتهون إلى نفس النتائج التى تؤكد اتساق عناصر السيرة فى إجلاء شخصية محمد المتكاملة من حيث السمات الذاتية ومن حيث الحرص على نشر الرسالة السماوية ليس فقط كنص منزل بلغه للبشر بلسان عربى مبين بل كإنسان تمثلت فى سلوكياته وكل تصرفاته آيات القرآن الكريم، لقد تجلت كل معايير الإنسانية فى شخصه الكريم وبانت مظاهرها فى شواهد عديدة منها شاهد الرحمة وشاهد الصحبة وشاهد الفطرة وشاهد النصفة وشاهد الذات السوية وشاهد الإجماع العلمى.

 وقد أبدع مؤلفنا فى بلورة هذه الشواهد وتقديم عناصرها من سلوكياته (صلى الله عليه وسلم). أما القسم الثانى فقد تناول فيه إنسانية محمد بين الموضوعية والذاتية، وقد حرص فيه على بيان مقدمات ومحددات الخلل فى الحكم على عناصر السيرة العطرة. وكم كانت ملاحظة ذكية منه أن يقرر «أنه رغم المنزلة التى حازها محمد فى نفوس المسلمين وفى ضمائرهم، ورغم مقامه الكريم بين الرسل والأنبياء، ورغم النزوع الإيمانى المتناهى والقوى فى كل عصر لمعرفة تفاصيل حياته، رغم هذا كله لم تغب بشريته بين الناس أبداً ولا ذهبت طائفة فى حبه إلى درجة التأليه» ثم ينتقد على الفور أولئك الذين أسسوا جماعات وطوائف ومذاهب تقدس زعماءها ومنظريها حتى تعالوا ببعضهم إلى فوق مراتب الأنبياء وأصحاب الرسالات السماوية. وفى اعتقادى أن هؤلاء الذين تجرأوا فأسسوا الجماعات والطوائف التى ميزت نفسها وزعماءها عن عامة المسلمين قد خرجوا عن كل ما قلناه سابقاً عن شخصية محمد وإنسانيته كما عصوا دينه الذى هو دين المساواة المطلقة والإنصاف وحرية العقيدة واحترام الآخر مهما كان مختلفاً، إن حياة نبينا الكريم ستظل دائماً معيناً لا ينضب لكل من أراد أن يعرف كيف تتكامل الشخصية الإنسانية علماً وخلقاً، نظراً وعملاً، وستظل حبيباً وقدوة لكل البشر من آمن برسالتك السماوية ومن لم يؤمن يا أشرف وأنبل من خلق الله إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.