رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا تبقى الفاشية هى الخطر (2)

عرضنا في المقال السابق الجزء الأول من تقرير الكاتب الشهير جون بلجر بتاريخ 27 فبراير علي موقعه «تويتر» عن الجرائم المنكرة التي يرتكبها أشرار الاستعمار الغربي ضد شعوب العالم الثالث الذي غطي فيه السبب الحقيقي للهجمة الوحشية علي ليبيا بزعم تخليصها من ديكتاتورية القذافي، والحقيقة أنها كانت لرفض القذافي بيع النفط الليبي عالي الجودة بالدولار واتجاهه إلي إنشاء بنك أفريقي وعملة أفريقية جديدة هي الدينار الأفريقي ذو الغطاء الذهبي 100٪ وكيف جند الاستعمار عصابات المرتزقة هذه هي نفس داعش التي تسيطر اليوم علي مساحة كبيرة من ليبيا.

ثم عرض «بلجر» الدور الإجرامي الذي قام به بدزبجنيو برزينسكي مستشار الرئيس الأسبق كارتر في القضاء علي ديمقراطية أفغانستان الأولي والأخيرة عام 1976 الذي يوضحه كما يلي:

في عام 1960 اندلعت ثورة شعبية في أفغانستان أفقر دول العالم، ونجحت في إسقاط حكم الارستقراطية بحلول عام 1978 بإقامة حكم شعبي ديمقراطي بدأ بوضع برنامج إصلاحي تضمن إلغاء الإقطاع وحرية الأديان والمساواة بين الجنسين وبين الأقليات، وأفرجت الحكومة الجديدة عن أكثر من 13000 سجين سياسي وأحرقت علناً ملفات البوليس السري ضد المعارضين، وأدخلت الحكومة الجديدة نظام الرعاية الصحية المجانية لكل المواطنين وأدخل برنامج محو الأمية للنساء، وأواخر عام 1980 كان نصف طلبة الجامعات من النساء وكان نصف الأطباء وثلث الموظفين وأغلبية المدرسين من النساء، ثم بدأت الآية تنعكس عندما بدأ المجاهدون يفوزون وبدأوا في قتل المدرسات وحرق المدارس، وكان هؤلاء المجاهدون هم من ساندتهم دول الغرب، كانت الحكومة الثورية مؤيدة من الاتحاد السوفيتي الذي اعترف وزير الخارجية الأمريكي سيروس فانس نفسه بأن السوفييت لن يكونوا وراء اندلاع الثورة الأفغانية وشعر برزينسكي بالخطر من نمو حركة التحرير دولياً وازدياد ثقتها في نفسها، فقرر أنه لو نجحت أفغانستان علي يد حزب الثورة فستقدم تجربتها في الاستقلال والتقدم فستكون مثالاً خطراً لباقي الدول المتخلفة، فقامت الحكومة الأمريكية سراً يوم 3 يوليو عام 1979 بمساندة الأصوليين القبلية المعروفة باسم «المجاهدين» بتمويلهم بما يعادل 500 مليون دولار من الأسلحة سنوياً بهدف إسقاط الحكومة الثورية الإصلاحية، وفي أغسطس عام 1979 أعلنت السفارة الأمريكية في كابول أن مصالح أمريكا في أفغانستان سيخدمها سقوط الحكومة الثورية مهما كان تأثير سقوطها علي الإصلاحات الاجتماعية والاقتصاد التي تقوم بها.

كان المجاهدون هم مقدمة ظهور تنظيم القاعدة وداعش، كان بينهم غلب الدين حكمتيار الذي كان يتلقي مئات الملايين من الدولارات من المخابرات الأمريكية، وكانت مهنته الأساسية تجارة الأفيون، وإلقاء ماء النار علي وجوه النساء التي تخلع البراقع، ودعته مارجريت تاتشر إلي لندن واحتفت به كمحارب من أجل الحرية، وكان يمكن لمثله وغيره من المتعصبين البقاء في عالمهم القبلي، لو لم يتبني برزنيسكي حملة دولية لتدعيم الأصولية الإسلامية في وسط آسيا لزعزعة استقرار الحكومات المدنية وأمن الاتحاد السوفيتي، كما اعترف في سيرته الذاتية قائلاً إنه كان يريد إيجاد مسلمين غاضبين، ولاقت خطته قبولاً من الديكتاتور الباكستاني الجنرال ضياء الحق الذي كان يسعي للسيطرة علي المنطقة.. وفي عام 1986 بدأت المخابرات الأمريكية والباكستانية تجنيد مرتزقة حول العالم للالتحاق بالمجاهدين، وكان أحدهم هو الملياردير السعودي أسامة بن لادن، كان هؤلاء هم من انضموا لطالبان ولتنظيم القاعدة، وتم تدريبهم في الكلية الإسلامية في بروكلين بنيويورك، وكان الاسم الكودي للعملية هو «الإعصار» واحتفل بنجاح العملية عام 1996 عندما تم شنق آخر رئيس أفغاني من الثوار وهو نجيب الله محمد بمعرفة جماعة طالبان لذهابه إلي الأمم المتحدة ليطلب المساعدة لبلده.

وكان رد فعل عملية الإعصار والمسلمين الغاضبين الذين كان برزينسكي يريد خلقهم هو ما حدث في 11 سبتمبر عام 2001، وتحولت عملية الإعصار إلي حرب علي الإرهاب مات فيها ما لا حصر له من الرجال والنساء والأطفال في العالم الإسلامي من أفغانستان إلي العراق إلي الصومال إلي اليمن إلي سوريا، وكان شعار أمريكا هو «من ليس معنا فهو علينا».

إن الخطر المشترك في الفاشية القديمة والحديثة هو القتل الجماعي، فعندما غزت أمريكا فيتنام كانت تقيم مناطق «إطلاق نار حرة» ثم تعد الجثث والدمار، ففي مقاطعة كوانج نجاي مثلاً التي كنت أرسل إليها تقاريري منها قتل الأمريكيون آلافاً لا تحصي من المدنيين، ومع ذلك فلا نذكر منها إلا مذبحة ماي لاي، وفي لاوس وكمبوديا قامت أمريكا بأكبر عملية حرب جوية في التاريخ أدت إلي عهد إرهاب وأعطت كمبوديا داعشها الخاص في شخص بول بوت، واليوم فإن أكبر حملة إرهاب في العالم تشمل إعدام عائلات بأسرها وضيوف الأفراح والمعزيين في الجنازات، هؤلاء هم ضحايا أوباما، وطبقاً لجريدة «نيويورك تايمز» فإن أوباما يختار ضحاياه من قوائم قتل تقدمها له المخابرات الأمريكية كل يوم ثلاثاء في مكتبه بالبيت الأبيض، فيقرر دون طرفة عين من سيعيش ومن سيموت، أما أداة الإعلام التي يستخدمها فهي الصواريخ التي تحملها الطائرات دون طيار التي تشوي جثث ضحاياها وتلوث البيئة المحيطة بجثتهم، وكل ضربة يتم تسجيلها علي شاشة تليفزيونية.

وما يوحد الفاشية القديمة مع الحديثة هو ثقافة الاستعلاء، فيقول أوباما مثلاً: «أنا أعتقد في السمو الأمريكي الفريد بكل عرق في جسدي»، وكما سجل المؤرخ ألفريد ماكوي فإن أحد من قدسوا هتلر وهو كارل شميث قال: «إن الحاكم الأعلي هو الذي يقرر من هو الإنسان الاستثنائي»، هذه هي الثقافة التي نشأنا عليها، غرور واستعلاء بالحضارة الغربية، لقد نشأت في جو تغذية أفلام العظمة الأمريكية الخادعة، لم أكن أعلم مثلاً أن الجيش الأحمر السوفيتي هو الذي دمر معظم الآلة العسكرية النازية، ودفع في ذلك أرواح ثلاثة عشر مليون جندي ومدني سوفيتي، بينما لم تتجاوز خسائر أمريكا أربعمائة ألف شخص، ولكن السينما الأمريكية المخادعة عكست الرقم.

وطبعاً ليست هناك أفلام عن دور أمريكا في تدعيم الفاشية، ففي خلال الحرب العالمية الثانية وقفت أمريكا وبريطانيا ضد اليونانيين الذين حاربوا النازية الهتلرية ببسالة، وفي عام 1967 ساعدت المخابرات الأمريكية وصول انقلاب عسكري فاشستي للسلطة في اليونان، كما ساعدت الانقلابات الفاشية في البرازيل ومعظم دول أمريكا اللاتينية، وفتحت أمريكا صدرها للاجئين الهاربين الذين سبق لهم التعاون مع النازية الهتلرية، وأعطتهم ملاذاً آمناً مثلما فعلت مع فرتر فون براون مخترع الصاروخ الألماني v2 وواضع برنامج الفضاء الأمريكي الآن، وفي تسعينات القرن العشرين عندما تحولت الجمهوريات السوفيتية السابقة ودول شرق أوروبا والبلقان إلي مراكز عسكرية أمامية لحلف الناتو، أخذ ورثة النازية الأوكرانية فرصتهم بمساعدة أمريكية، كان المسئولون عن قتل آلاف اليهود والبولنديين والروس خلال الغزو النازي للاتحاد السوفيتي هم الفاشيون الأوكرانيون، واليوم يتلقي خلفاؤهم كل مساعدة من الغرب التي يعتبرهم وطنيين يدافعون عن حريتهم، ووصل الأمر إلي قمته عندما اعتمد أوباما خمسة مليارات دولار لتمويل انقلاب فاشستي في أوكرانيا عام 2014 ضد الحكومة الشرعية المنتخبة، ونادي قادة الانقلاب بتطهير أوكرانيا ممن سموهم «مافيا موسكو اليهودية».

لم يتكلم مسئول غربي واحد عن عودة الفاشية للحياة في وسط أوروبا، وهاجمت أمريكا زعماء الغرب الذين اعترضوا علي رغبة أمريكا تسليح الانقلاب الفاشي في أوكرانيا لخشيتهم أن يؤدي ذلك لحرب برية كبري مع روسيا في أوروبا تكون دولهم مسرحها.

وينتهي التقرير المطول باستعراض أحداث التطهير العرقي والقتل الجماعي الذي تقوم به سلطات الانقلاب الفاشستي ضد الأقلية من أصل روسي في شرق أوكرانيا، والتشويه الغربي الإعلامي المتعمد لتبرير عدوان قادم مثلما حدث مع العراق وأفغانستان أو للتغطية علي جرائم الأنظمة العميلة التابعة للغرب مثل حكومة الانقلاب في أوكرانيا، ويوضح الخطة الغربية في المدي الطويل وهو محاولة تفتيت دولة روسيا الاتحادية التي تملك أكبر ترسانة نووية في العالم، قادرة علي إفناء الغرب في عملية انتحار متبادل، وهو ما يمثل الرعب الحقيقي للغرب والرادع الأكبر لعدوانيته.

ويوجه الكاتب في النهاية كلمة لقرائه قائلاً: «إن مسئوليتنا كلنا واضحة، وهي أن نحدد الأكاذيب ونكشفها، ونكشف معها كلام الحرب المسعورة ولا نساعدهم أبداً، علينا إيقاظ وعي الحركة الشعبية الكبري التي خلقت من حضارة هشة دولة استعمارية كبري، وأهم شيء ألا نسمح بغزو عقولنا وآدميتنا واحترامنا لأنفسنا، لأننا إن ظللنا صامتين فسينتصر الشر علينا حتماً ويكون العالم أمام محرقة جديدة».

 

 

الرئيس الشرفي لحزب الوفد