رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بين الواقع وخيال المؤلف

 

تعد الدراما من أهم القوالب الفنية التي يمكنها تناول الظواهر الاجتماعية المتنوعة في المجتمع المصري، ويتميز المضمون الدرامي بعدم احتياج التعرض له في أغلب الأحيان لمستوي تعليمي أو ثقافي معين، والدراما محاكاة؛ فهي تحاكي قضايا ومشكلات المجتمع وتعبر عنها بعمق كبير، كما تعكس التغيرات الاجتماعية والتحولات التي تمر بها الطبقات الاجتماعية المتنوعة، وتكشف دائما للمشاهد ما يحيط به من علاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية.
ومن هذه العلاقات التي قد تعبر عنها الدراما بوجه عام ومسلسلات التليفزيون بوجه خاص، العلاقة بين الطبقات الاجتماعية؛ إذ يتباين الأفراد في إطار كل مجتمع بناء علي عدد من الخصائص الاجتماعية كالوظيفة والمال والسلطة؛ وهي كلها خصائص مكتسبة، هذا إلي جانب العادات والتقاليد والاهتمامات والمنجزات الاجتماعية المتنوعة، كما يتباينون أيضا في الآراء والقيم والسمات الخلقية والاجتماعية، وسمات أخري تكتسب أثناء ممارسة الحياة، وتقيم المجتمعات وزنا لهذه الاختلافات؛ فيما يسمي بالطبقات الاجتماعية.
ومع وجود الطبقات الاجتماعية وتباينها ظهرت نظرية الصراع الطبقي، وفي ضوء هذا الصراع بين الطبقات، تعددت وتنوعت التنصيفات الاجتماعية لهذه الطبقات، واختلفت وفقا للبعد الخاص بكل تصنيف، فمن حيث البعد الاقتصادي، نجد فئات الطبقات الاجتماعية متدرجة تنازليا من طبقة الغني، ثم طبقة المتوسط، ثم طبقة الفقير، بينما من حيث بعد النفوذ نجد فئات الطبقات الاجتماعية متدرجة تنازليا من طبقة السلطة الحاكمة، ثم الطبقة الوسطي، وصولا إلي الطبقة العاملة في نهاية التدريج، أما من حيث البعد المهني، نجد فئات الطبقات الاجتماعية متدرجة تنازليا من طبقة الموظفين، وصولا إلي طبقة الفلاحين في نهاية التدريج.   
وفي هذا الإطار وفي ظل ما شهدته مصر من تغيرات هامة، أدت هذه التغيرات إلي حدوث حراك سياسي واقتصاي واجتماعي، تمثل في عدة مظاهر، وتمثلت المطالب الرئيسية لهذه المظاهر في: ضرورة  توفير الحياة الكريمة لكل طبقات الشعب، وإتاحة مجال واسع من الحرية لكل فرد في المجتمع، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين كل طبقات وكل أفراد الشعب؛ في ظل ذلك أصبح من غير الممكن أن يعتمد تصنيف الطبقات الاجتماعية في مصر علي بعد واحد فقط من الأبعاد الثلاثة ( الثروة، والسلطة، والمهنة) حيث ازداد حجم التداخل بين هذه الأبعاد ليأخذ تدريجا جديدا يقوم علي المزج بين الأبعاد الثلاثة، وبما يتفق مع طبيعة الأوضاع الاجتماعية التي أفرزها ما مر به المجتمع من تغيرات.
وقد عكست الاعمال الدرامية المقدمة بالتليفزيون علي مدار السنوات السابقة؛ عكست هذه التصنيفات الطبقية بوضوح، وجسدت الصراع بينها، فعلي سبيل المثال من المسلسلات الدرامية التي تم عرضها بالتليفزيون مسلسل "ولد الغلابة"، ومسلسل "زلزال" عام 2019 ، ومسلسل "اتنين في الصندوق" عام 2020 ، وتضمنت هذه المسلسلات ثلاث مراحل درامية، بدأت بمرحلة السرد حيث تم التعريف بالشخصيات الدرامية وسرد الأحداث في بداية كل مسلسل، وقد عكست هذه المرحلة استقرارا نسبيا في الأوضاع الخاصة بالطبقات الاجتماعية التي قدمتها هذه المسلسلات ( طبقة العمال، وطبقة الموظفين، وطبقة رجال الأعمال) ثم جاءت مرحلة العقدة الدرامية وتصاعد الصراع، والتي عكست تأزما واضحا في الأوضاع الخاصة بطبقتي العمال والموظفين، وجاء هذا التأزم كنتيجة حتمية لما تعرض له هاتين الطبقتين من ظلم كبير من قبل طبقة رجال الأعمال، أو طبقة أصحاب النفوذ، وصولا إلي مرحلة انفراج الأزمة الدرامية، وقد تمثل هذا الانفراج في تحول واضح في أوضاع الطبقات الاجتماعية التي قدمتها المسلسلات المصرية أدي إلي إحداث تغيير واضح في التدرج الاجتماعي بالمجتمع المصري، لترتقي طبقة العمال وطبقة الموظفين اجتماعيا في مقابل تراجع اجتماعي كبير لطبقة رجال الأعمال أو أصحاب النفوذ.
ومن هنا فإذا كانت العلاقة بين الطبقات الاجتماعية كما عكستها المسلسلات المصرية بالتليفزيون تُشكل أبنية مليئة بالمعاني والدلالات ؛ فإن العلاقات التي تعكسها هذه المسلسلات ما بين الطبقات داخلها تجسد أهم تلك الدلالات والمعاني؛ ومن ثم فإن البناء المحكم والتصميم الدقيق لتلك العلاقات قد يكون من أهم مقومات نجاح وفعالية ما تقدمه هذه المسلسلات.
كما أن استخدام المؤلف للرموز في تشكيل وتصميم البناء الدلالي الذي تعكسه المسلسلات المصرية عبر التليفزيون لا بد أن يتم في إطار من المسؤولية الاجتماعية؛ فاتساع مجال الحرية الذي تتيحه الوسيلة في نشر وتداول المضامين المتنوعة لا يجب إساءة توظيفه في استخدام الرموز التي تقدم دلالات تتعارض وثقافة المجتمع، وهذا ما يوجه الأنظار إلي ضرورة الاهتمام بالتربية من أجل استخدام أفضل لوسائل الإعلام.