رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رؤى

ثورة يناير

على كوبري قصر النيل استوقف مذيع قناة الـ«بى بى سى» أحد المواطنين، سأله: لماذا تشارك في المظاهرات؟، انفجر المواطن في البكاء وقال: لأننا نشعر بالإهانة، أهانونا فى بيوتنا وفى عملنا وفى الشارع، المصري أصبح مهاناً في كل مكان، ثم ترك المذيع وسار وسط الجموع وأخذ يهتف معهم: عيش حرية عدالة اجتماعية.

 بعد صلاة أول جمعة فى أيام ثورة يناير (28 يناير 2011) خرجنا إلى ميدان الحجاز، قلت لابنى وكان في الإعدادية:

ـ يبدو أنهم مش هيعملوا مظاهرة.

ـ قال لى: دول شباب نايتى وأديدس يتظاهروا ليه، الشباب هنا مشغولة باختيار تي شرت يمشى على البنطلون.

 ذهبنا لكى نرسل المقال للجريدة بالفاكس، فقد قطعت الحكومة عنا الانترنت، سمعنا صوت هتافات، اتجهنا نحو الصوت، العشرات من الشباب فى شارع النزهة وميدان الحجاز، يصرخون: عيش حرية عدالة اجتماعية، ابني يحثني للمشاركة:

ـ بسرعة يا بابا.

ـ أهه.

ـ إيه أنت خايف .. هو أنت تكتب حاجة وتعمل حاجة تانية؟.

تذكرت المواطن الذي بكى لكرامته، وتذكرت الكاتب صلاح عيسى، فقد سبق وحكي لي: بعد خروجي من المعتقل كنت قد فصلت من عملى، وأحد الأصدقاء سمح لى أن أعد برنامجاً بدلا منه لكي يوفر لى مصدر رزق، نزلت من التليفزيون وركبت الأتوبيس، في الطريق كانت المظاهرات، دعونا للتظاهر معهم، تظاهرت اننى لم اسمعهم، فأنا لسه خارج من المعتقل طازة، هتفوا ضد الذين يتهربون من المشاركة، شعرت بالمهانة، نزلت من الأتوبيس وهتفت معهم: مش لقيين العيش الحاف.

إحدى الصديقات من سوريا اتصلت بى على المحمول سألتني: أخباركم وأخبار مصر، قلوبنا معكم، قلت لها: نحن نحاول استعادة كرامتنا التي أهدرت منذ سنوات، ننفض تراب المهانة الذي غرقنا فيه، أصواتنا تزور في الانتخابات، نقهر في أقسام الشرطة، لا أحد يسمعنا، يتعاملون معنا بتأفف وبترفع واحتقار، أصبحنا كالعبيد، يسرقون أموالنا وينفقون الملايين على الحفلات والقصور، ومعظمنا لا يجد وجبة العشاء أو ثمن علبة الدواء، الشباب لا يرى له مستقبلاً هناك، البطالة، وارتفاع أسعار الشقق، وارتفاع سن الزواج، وتوزيع الأراضي على شلة من رجال الأعمال، لم يتبق لأولادنا أمل فى حياة كريمة.

ابني دخل وسط المظاهرة، هتف معهم وهو يبكى: عيش حرية عدالة اجتماعية، انفجرت في البكاء وهتفت: تحيا مصر ... نحن نريد إسقاط النظام، لفت المظاهرات ميادين مصر الجديدة، هتفوا بقرب الكنائس: يحيا الهلال مع الصليب، الشرطة كانت تحرس المظاهرات، طلبوا منا عدم الوقوف أمام القصر الجمهوري والاتجاه إلى ميدان التحرير، سألت أحد اللواءات كان يقف فى ميدان روكسى:

ـ لماذا التحرير؟

ـ قال: جميع المظاهرات تتجمع هناك.

 رفض بعض الشباب الامتثال والاتجاه نحو التحرير، حاولوا اختراق الحصار والوصول إلى القصر الجمهوري من شارع الميرغني، تدخلت الشرطة لمنعهم، رمى بعض الشباب الجنود بالحجارة والزجاجات الفارغة، أطلق الجنود قنابل الغاز  المسيلة للدموع، ظلت المناوشات بين بعض الشباب والجنود، لحظات من الكر والفر، شاهدت أحد الشباب في شارع خليفة المأمون أمام شارع الميرغني يحمل حجارة كبيرة، كانت قطعة من رصيف، كان يعتزم ضرب أحد الجنود بها، مسكت يده، وقلت له:

ـ هيموت، ده عسكري مالوش ذنب.

ـ قال: ما هم بيضربونا.

ـ قلت له: اضربه مش تقتله.

 أخذت منه الحجارة ورميتها بعيدا، انتظرت لفترة أراقب المشهد ممسكا بيد أبنى لكي لا ينجر وسط الكر والفر، الشمس بدأت في المغيب، قلت لابنى:

ـ كده خلاص مابقتش سلمية تعالى نرجع البيت.

ـ قال: انتظر شوية يمكن ننجح ونوصل للقصر.

ـ قلت: إن فاتوا من الشرطة مش هيعدوا من الحرس الجمهوري.

 قبل أن يداهمنا الليل استوقفنا تاكسي وعدنا للمنزل، وتركنا خلفنا المئات من الشباب يكرون ويفرون، بعضهم يلقى الجنود بالحجارة والبعض الآخر يفر عندما تطاردهم سيارات المياه والغاز، في الأيام التالية نزلنا إلى ميدان التحرير وهتفنا: الشعب يريد إسقاط النظام.

 

[email protected]