رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

الأمن القومى العربى عند حامد ربيع

لا أدرى بالضبط السبب الذى فرض عليّ استدعاء رؤية هذا العالم الجليل الدكتور حامد ربيع الذى إن حزنت على شىء فهو حزنى أنه لم يكن من نصيبى أن يكون من بين أساتذتى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. غير أن سبب هذا الاستدعاء فى تقديرى ربما يتمثل فى ذلك الشعور الذى ينتابنا جميعا كعرب بأنه: ما أشبه الليلة بالبارحة؟ وهو الأمر الذى ربما يتطابق، رغم تغير الأحوال وبعد الزمان، بين ما نشهده وما أكد عليه الرجل فى كتابه الرائع الذى حمل عنوان «نظرية الأمن القومى العربي» بما يشير إلى أنه تمتع بحق برؤية ثاقبة تعبر عن رؤية «عالم» فى مجاله تكشف رؤاه -أو إن صح التعبير نبؤاته- عن الفوائد العملية لعلم السياسة.

رغم التغيرات والزلازل السياسية التى شهدها العالم على مدار أكثر من 35 عاما هى عمر تقديم ربيع لرؤاه -الكتاب تم تأليفه فى عام 1983- ما يجعله بمثابة عالم مختلف تمام الاختلاف عن ذلك الذى عاشه الرجل، إلا أنك تشعر أنه فى تحليله لموضوعه وكأنه يعيش بيننا. وإلا قل لى بربك بعد لحظة تأمل فى أحوال عالمنا العربى هل لك أن تختلف مع ما يذهب إليه من أن تاريخ المنطقة العربية حسب فهمه هو مجموعة من الاستفهامات التى لا يستطيع إزاءها المحلل إلا أن يقف حائرا غير قادر على تقديم إجابة مقنعة لماذا أولا فشل العالم العربى فى التعامل مع مشاكله؟ ولعل ذلك هو السبب وراء النتيجة التى يصل إليها وربما يشعر بها الكثيرون من أن أحوالنا تكشف بجلاء عن أن مفهوم الأمن القومى العربى لا وجود له.

والمفهوم فى منظوره ببساطة وبعيدا عن تعقيدات التعريفات العلمية له هو عدم ترك الكيان الذاتى عرضة للمخاطر التى تفرضها القوى المحيطة بالإقليم.. إنه تلمس عناصر الضعف الاستراتيجية فى الإقليم القومى ومحاولة تخطى ذلك الضعف بإتخاذ إجراءات وقائية تضمن ألا يكون ذلك الضعف مصدرا لتمزقات معادية قد تكون قاتلة. فأين نحن من الحفاظ على أمننا القومى العربى بهذا الفهم؟ الإجابة هى أنه إذا كانت المنطقة العربية ظلت حتى النصف الثانى من القرن العشرين موضوعا لتعاملات دولية تتلاعب بها الإرادات الكبرى غير قادرة على أن تقول كلمتها كما يؤكد، فإن الحالة ذاتها ربما تبدو مستمرة وبشكل أكثر درامية!

ويشير ربيع، ولعلنا نعيش ما يشير إليه حتى الآن، إلى أن مجرد تعدد السياسات العربية بل وتعارضها والتناقض بينها يمثل أفضل تعبير عن عدم فهم حقيقة مفهوم الأمن القومى العربي. وعلى صعيد الممارسة يذكر الرجل مثالا بالغ المأساوية متسائلا: كيف يمكن تفسير بناء طريق يكاد يكون عسكريا يربط مدينة نيروبى بجوبا بجوار عاصمة جنوب السودان بأموال دولة خليجية عربية نفطية كبرى دون أن يدخل فى اعتبار قيادات هذه الدولة أن هذا مقدمة لانفصال جنوب السودان عن الخرطوم. ولعلك تردد معه بلغة العصر كيف لدول عربية أن تشارك فى مساندة مشروع سد النهضة الإثيوبى الذى ربما يستهدف إخضاع إرادة مصر وتطويقها؟

وإذا كان العرب يعيشون أسوأ أيامهم التى يتحالفون فيها مع الخصوم ضد بعضهم ما يفقدهم أى قدرة على مواجهة هؤلاء الخصوم ويجعلهم ألعوبة فى أيديهم فإن ربيع يعيد تذكيرنا بمثال بالغ الدلالة على الروح التى يجب أن تسود بين العرب رغم الخلاف مشيرا إلى أنه عندما قامت الحرب بين على بن أبى طالب رضى الله عنه ومعاوية أرسل إمبراطور الروم مستغلا هذه الفرصة إلى حاكم دمشق يخبره باستعداده لأن يرسل له جيشا يساعده فى مواجهة زوج ابنة الرسول فكانت إجابة معاوية: اصمت وإلا أرسلت لك جيشا ينتهى عند بيزنطة يقوده على بن أبى طالب.

ويحذرنا الرجل فى سياق تأكيده على الحفاظ على الأمن القومى العربى مما يصفه بسياسة شد الأطراف والتى استخدمتها السياسة البريطانية خلال قرابة قرنين من الزمان واستخدمتها الولايات المتحدة حسبما يذكر ربيع وربما لا تزال مستمرة وتمارسها قوى مختلفة من خلال مساندة الحبشة (إثيوبيا) وتركيا وإيران فضلا عن إسرائيل التى تم زرعها فى قلب المنطقة فى تعزيز ما يمكن أن نسميه بالتناقضات العربية. وعلى هذا الأساس يخلص إلى أن ذلك من المؤكد أن يلقى بظلاله على علاقات التوازن الإقليمية حول المنطقة العربية ما قد يؤدى بهذه القوى (إيران وتركيا والحبشة) لأن تشعر بإغراء ضعف المنطقة العربية ما يجعل منها خطرا جديا على تماسك وقوة العالم العربى وهو المشهد الذى ربما نعيشه الآن وربما على نحو أفضل، أو أسوأ إن صح التعبير، مما تناوله ربيع فى رؤاه لواقع الفترة التى كان يتناولها بالتحليل.

فى تفسيره للمشهد الذى عاشه وربما نعيشه يرجع الرجل الأمر إلى متغير أساسى يتمثل فى سيطرة شخصية القائد الأعلى على صنع السياسة الخارجية فالسياسة العربية هى سياسة أفراد قلائل هم وحدهم -أى الرجل الأعلى فى كل دولة عربية- الذين يصنعونها. قد تقول إن هذا هو حال العرب دوما، غير أن دقة التشخيص وتحققه إن عبر عن رزانة ربيع، فإنه يعبر أكثر عن أننا كعرب لا نستفيد من أخطائنا!

[email protected]