رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«المحاكمة» و«كورونا»

 

 

كتب «فرانز كافكا» الكاتب التشيكى اليهودى روايته الشهيرة «المحاكمة» فى ألمانيا عام 1914- 1915 مع بداية الحرب العالمية الأولى، واجتياح النازية أوروبا واضطهادهم اليهود ومزاعم «الهولوكوست»، وهى رواية تصلح لكل زمان ومكان، لأنها تتحدث عن مأساة إنسان يسمى «ك جوزيف» فى مقتبل العمر يعمل فى بنك ويفاجأ بأنه متهم بجريمة غير معروفة، ويستعرض الكاتب فى أسلوب يجمع بين الفانتازيا والفلسفة صراع الإنسان مع المجهول ومع القدر ومع السلطة ومع المال ومع الحب ومع الأقرباء ومع الأصدقاء ومع الغواية ومع القضاء ومع الفساد ومع المحاماة ومع الكنيسة والكهنة، حيث لا يعرف الإنسان لماذا يحاكم فى هذه الدنيا وهذا المجتمع دون جريرة أو جريمة معروفة، ولماذا يحكم عليه بالموت كنهاية لرحلته فى الدنيا التى يحاول من خلالها إثبات براءته وعدم استسلامه ومقاومته كل أشكال وأنواع الفساد والرشوة والسلطة فى قصة تتسم بالبساطة والسلاسة فى الكتابة والسرد، وإن كانت عميقة فى المعنى والمغزى والمضمون.. وهذه الحدوتة هى ملخص بسيط ومكثف لحياة البشر فى كل بقعة من أرجاء العالم، وفى كل دقيقة ولحظة من ساعة تلك المجرة الكونية، وها نحن نعيش لحظة فارقة فى حياتنا جميعاً، نحاكم فيها أنفسنا على ما فعلناه بالكون والأرض من حولنا وفى ذات الوقت نواجه مصيراً محتوماً من بلاء وابتلاء أصابنا جميعاً بالخوف والهلع والمرض والموت الإكلينيكى والاقتصادى، وبعد أن قامت إدارة العالم الجديد الذى يحكم الاقتصاد والإعلام بإغلاق الكون وحبس البشر وترويعهم وتهديدهم ليل نهار بالفيروس القاتل، ومن ثم وجد الإنسان نفسه حبيس جدران الخوف والانتظار لمجهول آتٍ يعذبه ويقبض روحه ويفقره ويمنع عنه الماء والطعام والهواء.. إذا الشعوب قد ثارت ورفضت هذا الحبس وتلك المحاكمة الوهمية وهؤلاء القضاة التعساء والمحامين المرضى العاجزين عن إيجاد صيغة للبراءة وللخلاص من الموت المحتم، حتى دور العبادة التى أغلقت فى وجه الإنسان ومنعت إقامة الشعائر والأعياد والمناسك لم تستطع أن ترفع البلاء وتوقف محاكمة البشر التى فرضها عليهم حكام وقضاة العالم الجديد، وكان مصير العديد منهم المرض والموت، بينما الآخرون حكم عليهم بالفقر والعوز والحاجة، وأيضاً الخوف والرعب وانتظار لحظة تنفيذ الحكم التى سوف تحدث سواء بيد الفيروس التاجى أو أى سبب آخر لأنها حتمية الوجود كما كتب «كافكا» فى روايته.. ولذا فإن الحكومة عندما قررت إلغاء الحظر وألزمت المواطن بأن يتخذ إجراءات احترازية يعتمد من خلالها على ذاته، فإنها قد رفعت يدها عن محاكمته البشرية وتركته يقرر مع ذاته الحرة كيف يحافظ على رزقه وعمله وبيته وأسرته ونفسه وصحته، وتلك هى الحرية المسئولة.. وإذا كان الرئيس مشكوراً قد أنشأ وافتتح أكبر مستشفى ميدانى بسعة 4000 سرير لمرضى كورونا، فإنه يرسل برسائل طمأنة للمجتمع وللشعب وللعالم بأن مصر قادرة على احتواء الأزمة والحفاظ على ثروتها البشرية والاقتصادية.. إلغاء الحظر لا يعنى انتهاء المحاكمة، ولكنها لم تعد محاكمة فرد لآخر، وإنما هى المحاكمة الكونية القدرية التى ما زلنا نعيشها، كل بطريقته، والحكم الأخير لن يتغير وإنما علمه عند صاحب الحكم والأمر..