رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

وداعًا.. مينا موحد العامية المصرية

ما هى حكاية شهر إبريل مع الخال عبدالرحمن الأبنودى.. ففى إبريل ولد.. وفى إبريل غاب عنا.. وفى إبريل أيضا - ولكن عام 1986 - رحل عنا شاعر العامية الشهير صلاح جاهين.

«والأبنودى» - فى نظرى - هو محمود بيرم التونسى الحديث.. الذى عبر عن آلام وأحلام المصرى البسيط.. وهل ننسى هنا ابداعه فى «بائع الفجل» الذى يخاطبه بيرم بقوله: يا بائع الفجل بالمليم واحدة.. كم للعيال وكم للمجلس البلدى؟! بل هما معا: بيرم و«الأبنودى» الامتداد الطبيعى لفن المبدع المصرى الأصيل الشيخ سيد درويش.. الذى غنى لكل المصريين.. المكدوحين الصنايعية والفواعلية وعمال البناء.

<< والخال هو آخر جيل العباقرة العظام.. وكان أحد الثلوث الشعبى الذى جاء للعاصمة مع أمل دنقل ومع ابن الجمالية أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام.

وأبرز ميزة - فى الخال - هى أنه لم يكن شاعرًا للأمير، أقصد للسلطان أو الخديو أو الحاكم، ولكنه كان شاعرا منا خرج من بطن المصريين ولهذا دخل «وعشش» فى عقولهم، وأصبح أميرًا للشعر العامى أو أميرًا لشعراء العامية.. ولذلك أراه الامتداد الطبيعى لشاعر العامية الأول بيرم التونسى، الذى خاف من عاميته شعراء الفصحى، خوفًا على العربية الفصحى.

<< وقليل من الشعراء من كان يجيد إلقاء الشعر حتى أن أمير الشعراء أحمد بك شوقى لم يكن يلقى أشعاره ولذلك كان هناك من يقوم بهذا الإلقاء.. أما «الأبنودى» فلم يكن شعره يجود.. إلا بالقاء الخال له.. إذ كان يبث أشعاره بخلجات قلبه، وعصارة عقله.. وكان صوته مميزاً.. صعيدى ابن صعيدية.. ويا سلام يا آمنة؟!

هو الوحيد الذى وضع العامية الصعيدية والعامية البحراوية على لسان كل المصريين.. أى هو موحد «عامية مصر» فهل كان هو مينا الجديد موحد لسان كل المصريين.. كما وحد مينا كلا القطرين؟!

<< كانت أبرز صفاته أنه كان صادقًا لم يخش غضب السلطان ولكنه لم يهاجم حتى السلطان الذى أدخله السجن، أقصد جمال عبدالناصر وكان أبرز ما ينشط خلال الأزمات والمشاكل.. والهزائم ربما بسبب طبيعة «الإنسان» الصعيدى، الذى يفرح يوما واحدًا ولكنه يحزن لمدة 40 يومًا، وحتى فى رحيله - وكأنه يريد أن يؤكد وحدة التراب المصرى، فهو - وهو ابن الصعيد الجوانى أبنود من قنا أراد بأن يدفن فى شمال شرق مصر - فى قرية الضبعية بمحافظة الإسماعيلية، كأنه هنا - فعلاً يؤكد وحدة التراب المصرى.

<< وإذا كان «الأبنودى» قد اختار الأغنية وسيلة للتعبير عن أحلامه وأفكاره، فقد أحسن اختيار أسلوبه للوصول إلي قلوب الناس وفى ذلك أبدع مع محمد رشدى - فى شعبياته - ومع صباح فى رومانسيتها ونجاة فى رقتها.. ووردة فى تألقها.. وفايزة فى تفردها.. ولكن أبرز غنائياته مع عبدالحليم حافظ.. فى الحرب والحب معًا.. فى الانتصار والهزيمة.. مع ايقاظ الوعى وفى التنمية والبناء.

وإذا كان صلاح جاهين - ابن شبرا - لم يتحمل هزيمة 1967 فانعزل عن العالم.. ورحل عنا «مكتئبًا» مهموما.. ولكن «الأبنودى» صمم على الصمود واستمرار القتال، فأخرج لنا رائعته.. «عدى النهار» التى تغنى بها عبدالحليم، بينما مصر كلها تعيش السواد الكامل فكانت شمعة جاءت لتنير الوجدان المصرى.. فى أيام رهيبة سوداء.. فكان بحق روح هذا الوطن.. ولسانه وعقله. وفنه.. وهذا هو الفنان الحقيقى، الذى يرفض الاستسلام.

<< ولا تقولوا مات «الأبنودى».. بل قولوا: سيظل «الأبنودى» لسان هذه الأمة وأمير شعراء عاميتها.. فقط سوف افتقد صوت الخال الذى ما إن كنت أطلبه على محموله إلا ويتذكر نبرات صوتى ولكن أفضل ما فيه، وأعظم ما يبقى لنا هو صدقه، كان صادقًا لم يخش غضب السلطان.. وهل يخشى الصعيدى إلا خالقه.

هكذا كان «الأبنودى».. شديد الصراحة مع حق الوطن.. وحق المواطن.

<< وداعًا يا موحد عامية القطرين.. يا مينا العصر والآوان.