رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إنما الأمم الأخلاق.. وما بقى فى مصر «4»

رحم الله شاعرنا شاعر النيل حافظ إبراهيم وقد وجبت علينا رحمته ورحمة المعانى التى قالها فى أبياته «وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا»، أترحم عليه بقوة وأنا أواصل معكم ما أستشعره من ألم وأسف على ضياع أخلاقنا كمصريين «إلا قليلاً»، تلك الأخلاق التى برزت لنا بوجهها القبيح واضحة وجلية وكئيبة خاصة بعد ثورتى 25 يناير و30 يونية، فقد فوجئت فئة «إلا قليلا» بما يشبه «ماسورة مجارى» من الأخلاق المتدنية انفجرت وطفحت وتوحلت كطمى السيل فغاصت بها الركب، ولا أعرف للآن، هل كانت حالة الكبت والقمع السياسى والاجتماعى والأمنى فى عهد المخلوع مبارك هى السبب فى سوء الأخلاق، وأن سقوط حاجز الخوف الشعبى تجاه كل ما هو سلطة ما بعد الثورتين، أدى بالتالى إلى سقوط حاجز الاحترام للأخلاق، على اعتبار أن الأخلاق كانت سلطة مثلاً أم ماذا.

أم لعلنا كنا نعايش هذا الطفح اللاأخلاقى، ولكننا لا نشعر، وأن سقوط حاجز الخوف أدى بالتالى إلى سقوط خوفنا من الانتقاد والثرثرة ومهاجمة كل ما هو غير أخلاقى، فى الواقع الصورة ملتبسة ومرتبكة، وكل ما أدركه أن المصريين لم يعودوا على أخلاقهم من الأدب والاحترام والعيب، بدءاً من سلوك النشء من أبنائنا زهورنا البريئة، التى أصبح سلوكها ولغتها أقرب إلى سلوك ولغة أفراد العصابات، أطفال الفقراء ضاعت منهم القدوة، وغاب المربى الفاضل، لانشغال الأب والأم ليل نهار وراء لقمة العيش لسد احتياجات الأفواه الجوعى، أبناء الأثرياء، تم تركهم بين أيادى المربيات «غريبات السلوك مجهولات البيئة» وبين أروقة الأندية، واهتم كل من الأم والأب بحياته الخاصة ومتعته الشخصية سواء من جمع مزيد من الثروات، أو حياة الأصدقاء واللهو غير البرىء، أبناء الطبقة الوسطى، وهم غالباً من المنتمين إلى فئة «إلا قليلاً» يحاول أكثرهم التمسك بالعروة الوثقى من الأخلاق، وعمل توازن بين الغياب عن المنزل لتلبية احتياجات الحياة، وبين التواجد لتربية الصغار بقدر الإمكان على ما تبقى من أخلاق، وأعول على هؤلاء بقاء مصر وعدم ذهابها إلى ما شاء الله.

نعم تشوهت فى الغالب أخلاق الصغار، ويمكننا مشاهدة هذا بصورة جلية فى مسلسلاتنا وأفلامنا المتفشية كالوباء، حين تجد طفلة «مقروضة» لم تتجاوز ستة أعوام، وقد دربها المخرج ولقنها كلمات غريبة ذات إيحاءات جنسية تنطقها بلهجة أغرب مع كثير من «التقصع» ووضع اليد فى الوسط مع هزه، والتلفظ بألفاظ لا تقولها امرأة خليعة على باب «كبارية» ولا مؤاخذة، هذا ما يتم تعليم الصغار ثقافياً وفنياً وإعلامياً، لأنه بات جزءاً حقيقياً من حياتنا اليومية، تعايشه بيوتنا المصرية، والله يرحم أيام زمان، كانت البنت منا حتى سن الجامعة غير مسموح لها سماع أحاديث الكبار، وعندما ترغب الأم فى الجلوس مع صاحبتها للتحدث عن أى أمر عائلى أو نسائى، تأمر البنت بدخول غرفتها، لرغبتها فى الحديث بكلام كبير «لا يليق بالبنت أن تسمعه»، فتربت هذه الأجيال على شىء ندر الآن «الحياء».

وانظروا الآن إلى أولادنا من أطفال وصبية ولن أقول شباباً وهم فى الشوارع، الحدائق، على أبواب المدارس، راقبوا طريقة لبسهم، استمعوا إلى أحاديثهم، إلى مفردات كلماتهم الوقحة المتبجحة العارية من كل حياء، انظروا إلى سير كل ولد وبنت وهم لم يتجاوزا الثالثة عشرة من العمر «دويتو» يتأبط الولد ذراعها وكأنها زوجته، أو يحيط كتفها أو خصرها بذراعه، وكأنهما يهمان بدخول غرفة النوم، انظروا إليهما جلوساً على «كورنيش النيل» أو مروا عليهما فى المناطق المظلمة والشوارع الهادئة، سينتابكم للحظة أنكم ترون تصويراً لفيلم حول بنات الليل بكل تفاصيله، رغم أن «مقاصيف الرقبة»  لا يزالون فى طور الصبا.

محزن جداً مع ما صار إليه أولادنا من أشباه أولاد، وبناتنا من أشباه بنات، تشبههم بأولاد الغرب، واعوجاج ألسنتهم مع اعوجاج أخلاقهم، وتعرى و«تحزيق» ملابسهم لتقليدهم لكل ما يشاهدونه عبر الفضائيات المفتوحة، وعبر الكمبيوترات فى الغرف المغلقة، التى يطلع عبرها الولد أو البنت علي ما لا يحمد عقباه، من أفلام يتم تنزيلها مباشرة من مصادر عرضها، دون أن يمسها مقص الرقيب، أو تشهدها أعين الأم أو الأب، فأصبح أولادنا كأولاد الغرب «منحلين»، ولكن للأسف فى انهيار الأخلاق، والبعد عن الدين، لا فى العلم أو الثقافة، أو البحث والدراسة، أو الابتكار والاختراع، أخذنا «أقذر» ما فيهم، وتركنا أجمل ما فيهم، رغم أنهم فى الغرب بدأوا الآن يعودون إلى الأخلاق التقليدية القديمة، بعد أن صدمتهم الإباحية، وأفرزت لهم الحريات اللامحدودة مدمنين وشواذ ومثليات، وأخيراً متطرفين إرهابيين.

فبعد أن ذاق شبابهم كل الحريات إلى ما بعد الإباحية، أصبحوا يتطلعون إلى أى شىء جديد مثير يشبعون فيه شهواتهم اللاأخلاقية المريضة، فوجدوا فى إجرام التنظيمات الإرهابية الجهادية والمشاهد الدموية من تقتيل وذبح وتعذيب ضالتهم للحصول على المزيد من متعة الإثارة والتغيير، ولم يعد غريباً أن نسمع أن مراهقة بريطانية حسناء فرت من أهلها إلى سوريا لتهب نفسها للإرهابيين فيما يعرف بجهاد النكاح، أو مراهقاً فرنسياً سافر إلى العراق للانضمام إلى داعش، وهناك آلاف من الأوروبيين والأمريكان انضموا الآن إلى التنظيمات الإرهابية المتطرفة المتوحشة المتمسحة زورا باسم الإسلام، وهذا بالطبع ليس من منطلق أى إيمان أو إسلام، لأن الإسلام الحق الوسطى المعتدل برىء تماماً من العنف والإرهاب والتطرف وإراقة دماء، ومعظم هؤلاء لا يعرفون أى شىء عن الإسلام الحقيقى، والقرآن ليس إلا كلمات يرددونها لا تتجاوز معانيها حلوقهم، وأخشى ما أخشاه، أن تصل الإباحية والانهيار الأخلاقى بأولادنا إلى ما وصل إليه أبناء الغرب، حتى وصلت الأخلاق ببعضهم إلى الإرهاب، وللحديث بقية.

[email protected]