رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محاكمة على بابا وتجديد الخطاب الدينى

 

فى الثمانينات من القرن الماضى أنتج قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى عددا من الأفلام الروائية التى قام بتمويلها. وكان من ضمن هذه الأفلام مصنف  يحمل عنوان «محاكمة على بابا» وهو عبارة عن فيلم روائى طويل من بطولة الفنان الكبير يحيى الفخرانى وولده شادى حينما كان طفلا صغيرا. وتشترك معهم فى البطولة الفنانة الكبيرة إسعاد يونس وغيرهم من الممثلين. وكانت فكرة الفيلم بشكل مختصر أن الطفل الصغير عندما يذهب الى حضانة المدرسة، وتقوم المدرّسة بحكاية بعض الحواديت لتسلية الأطفال، فتحكى قصة من التراث الشعبى العربى لعلى بابا والاربعين حرامى وهى قصة معروفة لنا جميعا، وبعد انتهاء الحكاية قام الطفل الصغير يسألها أسئلة منطقية بمفهوم الضمير والمنطق الطفولى البرىء. هل أعاد على بابا المسروقات التى سرقها اللصوص إلى الأهالى مرة أخرى؟ فأجابت المدرسّة: لا. وانبرى الطفل يتساءل مرة أخرى: هل سّلّم على بابا المسروقات التى سرقها من اللصوص الى الشرطة؟ فأجابت المدرسة مرة أخرى: لا، لأنه أخذها واشترى بها قصرا كبيرا وتزوج حبيبته وعاشوا فى تبات ونبات وخلصت الحدوتة.

 فسألها الطفل المزعج ــ من وجهة نظرها ـ مرة ثالثة إن كان لم يرجع المسروقات إلى الأهالى، ولم يسلمها بالتبعية الى الشرطة فهو فى النهاية مجرد لص وحرامى وسرق من لصوص مثله، وبالتالى فهو لا يمثل الجانب الخيّر من القصة، ولكنه بمنطق العقل والضمير مجرد حرامى شاطر. فارتبكت المدرسة من المنطق الواضح للطفل ولم ترد عليه واستاءت من هذا الطفل المزعج وطردته من الفصل واشتكت إلى أهله .. وتستمر أحداث الفيلم.

والمنطق البريء الذى سأل به الطفل من هم أكبر منه سنا وبالتالى أكثر علما وخبرة وثقافة كان منطق التفكير النقدى، ولكن الصدمة المفاجئة فى وضوح التفسير كانت مروّعة لتفكير المدرّسة ولغيرها. ومن هنا يمكن القول إننا منذ الصغّر تحكى لنا الحواديت والحكايات والقصص، وتنقل لنا خبرات الكبار ومعلوماتهم الدينية والدنيوية، ونتقبلها بمنتهى الانصياع والإذعان بدون تحقيق أو فحص او تمحيص أو خبرة على اعتبار أنه مفهوم ضمنا لدينا أن الأكبر سنا هم الأكثر علما وثقافة وخبرة وفهما وبالتالى فإن معلوماتهم هى الأفضل والأصح غالبا.

ومن هنا فإنه من الممكن ان تكون هناك احتمالية ولو ضئيلة بتشوه تلك الخبرة أو تحريفها، أو وصولها مبتورة وناقصة ومشوهة بفعل الزمن أو النسيان أو التحريف أو غيره لكثير من التراث الشعبى ــ وكذلك التراث الدينى  والثقافى والعلمى ـ فكل يوم تظهر من الحقائق العلمية ما يناقض ما نشأنا عليه من معلومات فى الطب والكيمياء والفيزياء والطبيعة. فلماذا وبمنتهى الحيادية وهدوء التفكير لا نفكر بنفس المنطق بالنسبة للموروثات الدينية وهنا أنا لا أقصد القرآن وصحيح السنة المطهرة الواردة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وإنما أقصد ما تواتر لدينا من أحاديث ضعيفة وتراث عن السلف قد يكون اعتراه بعض التشوه او البتر أو حتى سوء النقل والفهم، أو دخول بعض الاسرائيليات الى بعض التفاسير والشروح فى متن كتب بعض الأئمة لبعض المواقف التى تستلزم الرد عليها وإعادة التفكير النقدى لها بشكل منصف. ففتاوى إرضاع الكبير والتداوى ببول الإبل وغيرها من الفتاوى التى تمتلئ بها بعض الكتب، ولا يجرؤ احد ان يرد عليها أو يفندها أو حتى يناقشها ويبين منطقها فى السياق الدينى والزمنى الذى قيلت فيه .

نحن فى زمن يمتلئ بالفتن والإبقاء على بعض الموروثات الدينية التى ليس لها أساس صحيح من الدين وتقديس الأشخاص بدلا من تقديس الحقيقة لن يفيد الإسلام فى شيء. فالمطالبة بإعادة فحص المناهج والكتب الأزهرية التى تحتوى على شروح وتفصيلات فى موضوع العبادات والمعاملات وصحيح العقيدة واجب دينى.  فهل ينتبه القائمون على تجديد الخطاب الدينى لتلك النقطة، أم نعود مرة أخرى إلى المربع صفر؟

--

مدرس علم النفس ـ جامعة الإسكندرية