رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

كلام في سرك

عندما يبكي الزمان!!


 
وجد الزمان يبكي ذات يوم، بعدما فقد الأمل في غد أفضل، بعدما اكتشف ان احلامه جميعا مجرد أوهام، بعدما عرف ان رغبته في الاصلاح ترتد له دائما خائبة الرجاء، ليس فقط لضعفه وقلة حيلته، وليس لأنه بلا رؤية أو جلد علي الأيام، لكنه بكي عندما اكتشف انه لا امل مع خوف بات يسيطر علي الجميع بلا استثناء، خوف يتحكم فيهم ويحولهم الي عبيد للمناصب والنفوذ او للمصالح والاموال، خوف تشتد قسوته عندما يخاف الناس علي ارواحهم واولادهم و" لقمة عيشهم" التي أصبحت بعيدة المنال ويحتصلون عليها بالقهر وذل الحال، بكي الزمان عندما تم تكميم الافواه واخراس الألسنة ، وكلما يحاول ان يخفف دموعه يجد صفعة تطرحه أرضا رغما عنه فيتوه مستقبله بين النعال.
 
 اكتشف الزمان بعد عمره الطويل وعشرته بالدنيا ان عدوه الحقيقي هو الخوف، انه أساس كل فساد، وعنوان كل استبداد، وبداية كل فشل،وطريق كل مقهور ومظلوم، وسلاح كل فاسد أو حاكم، لدرجة أصبح الخوف معها  قاسما مشتركا بين الجميع، فهناك من يخاف علي نفسه ومصالحه، وهناك من يخاف علي كرسي يملكه او كنز يحرسه، فتمكن الخوف من الكل،  لدرجة اننا أدمنا ثقافة العقاب "التخويف" ولم نراهن علي الثواب، ادمنا التهديد والوعيد ولم نراهن علي العمل والنجاح، تصورنا زورا وبهتانا ان سياسية العصا هي من تفلح مع شعوبنا، وان شراء الزمم مفتاح بقائنا، وان تقريب شلة المنتفعين المنافقين سيكفي لتزييف واقعنا وايهام شعوبنا بأن مستقبلا  مشرقا ينتظرنا.
 وفي تلك الأثناء ظل الزمان يبكي .. ويبكي دون توقف،  بعدما وجد ان عمره قد ضاع هباء، وان السراب مازال يحاصره من كل اتجاه،وان ثوراته مجرد اضغاث أحلام،  وان احلامه كما الأوهام، احلام لا تثمن ولا تغني من جوع،أحلام من سكوت وليس لها صوت مسموع، بتتباع بابخث الاثمان علي نواصي شوارع الفقر، وبيوت الألم والمرض، أحلام تذوب مثل الحديد في اول حريق "قطر"، وتغرق في قلب المحيط وتاكلها اسماك القرش في أيام الغش، وفساد متعدد الاتجاهات وبالف وش وش.
وعندما حاول الزمان استكمال مسيرته في تلك الحياة اكتشف انه زمن شعارات وهتافات، مجرد مضيعة وقت ، فلا الناس لقية عيش من غير ذل، ولا الحرية ظهرلها جناحات، الحرية صوتها مكتوم وملزوم يصمت من سكات، والا لياليها تتحول ظلام واتهام وكلابشات، او تتوه في دنيا الغش وتتلون بالمسخرة والرقص والصاجات والسفالة والدعوات المشبوهة للتجارة بالاجساد والاعراض، أما الكرامة الانسانية فغالبا متهانة في اليوم الف مرة، والعدالة الاجتماعية مجرد كلام في ظل سياسات مازالت تنحاز للاغنياء ولا تنظر الي الفقراء، سياسات تحول الغلابة لمجرد "أُجرية"، والأثرياء لمصاصي دماء، فيظل العداء بين الطبقات وتموت أي  فرص متكافئة للصعود نتيجة العمل والبناء.
 وعندما ينتهك الزمن يكتشف انه اشتري التروماي فالصعود في الاوطان لا يمنح للشرفاء فبلادنا تحتاج خدم وليس شركاء في المسئولية، والخادم حتى يتم تصعيده لابد ان يكون "علي رأسه بطحة، حتى لا ينسي نفسه او يفكر في يوم يعض أيد سيده"، فالمعيار هنا هو الولاء والطاعة العمياء والرضي بالفتات من سكات، والمشاركة في الفساد جواز مرور لضمان السيطرة عليك، وتصبح من الاعداء ويكتب علي ملفك "غير مأمون الجانب" لو حاولت تتكلم عن شراكة وحقوق انسان او حتى سكن ادمي او علاج مجاني او فرصة عمل بالكفاءة وبدون استثناءات، او تجاوزت وناديت بوطن يستحق الأفضل ويكون ملك لكل أبنائه، هتكتشف انك وأهم وان الوساطة والمحسوبية وكروت التوصية أصبحت من اساسيات حياتنا، وان النظام أي نظام بيعتمد عليها في توزيع المحسوبيات وضمان الولاءات، ويدرك ان تورط الكل في الفساد مهم لاجبارهم علي الاستمرار كعبيد في زمن اندثرت فية اخلاق الاسياد، لتكتشف ان افة كل الأنظمة واحدة علي مدار التاريخ، فهي تبحث عن مسبحين بالحمد ومقدسين بالامجاد، ولا تسمح بصوت النقد حتى لو كان في الحق، فرجال الأنظمة في بلادنا لا ينطقون عن الهوي !!
يبكي الزمان وهو يكتشف غياب دولة القانون، وان الدستور مجرد حبر علي ورق يستخدم فقط في المناسبات،عندما أدرك ان الصراع أكبر بكثير من أحلام البسطاء او الغلابة سكان هوامش الحياة، وان اللعبة فيها عسكري واحد وملايين الحرامية، وانه ليس كل الاصدقاء هم أصدقاء، وان العداء في الخفاء وليس العلن، والصراع بين الكبار أشد قسوة سواء كانوا دول او أركان نظام، وان الديمقراطية والحياة الحزبية والتغيير للأفضل والمشاركة والمساواة شعارات ماتت تحت انقاض الوطن، ولم يتبقي الا شعار البقاء للاقوي والأكثر شراسة وقدرة علي سفك دماء، واننا جميعا مجرد وقود لمعركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، بكي الزمان عندما ضاع منه الأمل فهل هناك من يعيده؟
[email protected]