رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو ثورة تعليمية شاملة

أنا مؤمن بمقولة الفيلسوف الألماني الشهير ايمانويل كانط «إن الإنسان هو نتاج التربية». كما أنني مؤمن كفلاسفة التربية العظام بأن الإنسان لا يكون إنسانا بداية إلا بالحرية، وأن هدف كل تربية تأتي بعد ذلك هي ترشيد وتطوير هذه الحرية، ومن هنا فإن الحرية يمكن أن تكون مرجعا نقيس عليه قيمة وجدوى والمعنى الحقيقي للتربية والتعليم . إن التربية والتعليم أساسهما وغايتهما إنتاج مواطنين أحرار، وهما وسيلة لخلق النموذج الاجتماعي العادل والمتناغم الذي يستطيع كل فرد فيه أن يؤدي وظيفته باتقان وتجرد على حد تعبير  أفلاطون أول وأعظم فلاسفة التربية. وثمة علاقة ضرورية بين التربية والسياسة، حيث إن كليهما ينبغي أن يكون معنيا وواعيا بأن الغاية من التربية إنما هي رسم ملامح انسان المستقبل ودوره فى بناء المجتمع الصالح والناهض دوما. 

ومن هنا فإنني أرى أن ثمة فرقا كبيرا بين الحديث الدائر الآن والذي كان يدور من قبل حول إصلاح النظام التعليمي فى مصر، وبين ما يحتاجه فعلا النظام التعليمي فى مصر؛ فما نحتاجه إنما هو التغيير الشامل والجذري للنظام ذاته بتغيير الفلسفة التي يقوم عليها. إن فلسفة التعليم التي نسير عليها منذ أيام محمد علي وحتى الآن هي تخريج الكتبة والموظفون فى المقام الأول، العلماء والمفكرون المبدعون في المقام الثاني، وعادة ما يخرج هذا النظام التعليمي هذا الصنف الأخير بالصدفة واستنادا على مواهب فطرية لدى المتعلم والعناية التي يلقاها من هذا المعلم أو ذاك أو من هذه البيئة العلمية أو تلك من الهيئات العلمية الأجنبية!! أما فلسفة التعليم التي نريدها الأن ففيها قلب للأولويات حيث نريده نظاما تعليميا يخرج العلماء والمبدعون المهرة الذين يستطيعون حمل لواء نهضة الأمة فى كل المجالات والذين يمكنهم المنافسة فى مجال العلم وسوق العمل العالميين. ومن ثم فنحن نريدها ثورة تعليمية شاملة ولانريد إصلاحا هنا أوهناك فى هذه المرحلة التعليمية أو تلك أو فى هذه الفرقة الدراسية أو تلك، أو فى هذا النمط  التعليمي أو ذاك. إننا نريدها ثورة تعليمية شاملة يدرك كل القائمين عليها معنى مقولة أ. روبول فيلسوف التربية الفرنسي المعاصر (1925 - 1992م) «إن مهمة الطفل هي أن يتعلم كيف يتعلم، وأنه حينما يقدر على ذلك يصير راشدا، يصير شخصا قادرا على التعلم الذاتي» و«أن أعظم المربين والمعلمين على الإطلاق هم من يقفون عند حدود البناء والتحضير» ولا يتعدون ذلك إلى حشو الأدمغة بالمعارف والمعلومات عن طريق الإملاء والتلقين . إننا نريدها ثورة تعليمية شاملة يدرك المعلم فيها – على حد تعبير جويرى ديلاكوت عالم الفيزياء والخبير التربوي المعاصر أنه لم يعد ينهض بوظيفة « مزود « للمعارف والمعلومات، بل أصبحت وظيفته من الآن فصاعدا « قيادة « المتعلمين بشكل يكاد يصبح فيه أشبه بمحرك إدراكي فاعل وقادر على التوجيه والارشاد والتقييم والتفاعل الإيجابي.

وأعتقد أن كل مصري- فى ضوء ما ذكرت فيما سبق- أصبح يشعر الآن بعمق المأزق الذي يعانيه أي مسئول عن التعليم فى مصر نظرا لأن هذا المسئول أو ذاك عادة ما يكون مطلوبا منه الإصلاح وحل مشكلات التعليم بينما يعانده الواقع وتكبله التشريعات القائمة. وتكون النتيجة عادة أنه يكتفي بحل المشكلات الآنية مع الحرص على بعض التغييرات الشكلية سواء فى المناهج أو فى نظم الدراسة والامتحانات دون أن يكون لديه القدرة على الاصلاح الجذري الشامل!!

إن كل مصري يجب أن يشعر الآن أن التعليم المصري فى أزمة، والشعور بوجود الأزمة وادراك أبعادها هو بداية الطريق نحو وضع الحلول الجذرية وغير التقليدية وتقبلها من كل الفئات.

أما عناصر الأزمة فنحن كأفراد وكمجتمع نعيها ونستطيع أن نحدد الكثير منها؛ والحقيقة أن الأزمة – برغم كل الجهود المبذولة من جانب الدولة والحكومات المتعاقبة – تطال كل عناصر العملية التعليمية: المعلمون والمتعلمون والإدارة التعليمية والمناهج الدراسية والأبنية التعليمية بكل مرافقها! فكل هذه العناصر بها جوانب متعددة من القصور ويشوبها الكثير من عوامل النقص وعدم القدرة على القيام بما يجب القيام به أيا كان دورها فى العملية التعليمية ! ولذلك فنحن نشعر جميعا بأن خريجي نظامنا التعليمي ليسوا على المستوى المطلوب من التأهيل الذي يمكنهم من أداء المهنة أو الوظيفة التي يمكن أو ينبغي أن توكل لهم حسب مؤهلهم الدراسي.