رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لو خايف.. اعمل نفسك مش شايف!

دائمًا ما أتابع بشغف تلك العبارات المكتوبة على "التوك توك"، والتي يتبارى السائقون في إطلاقها، ربما للفت الانتباه  أو إضفاء نوع من السخرية أو النقد اللاذع، خصوصًا وأن تلك العبارات تحمل أنواعًا مختلفة من الطرافة والغرابة، والتي تكون أحيانًا خارجة عن المألوف، لتعبر عن مزاجية السائق، ومدى تأثره بمحيطه المجتمعي.

الأمر لا يبدو غريبًا عندما نشاهد "التوك توك" يتجول في المدن الكبرى وعواصم المحافظات، يحمل عبارات بعينها، يمكن أن نطلق عليها "روائع من الأدب الشعبي"، والتي ربما تحمل دلالة رمزية، أو معنىً ربما قد لا يفهمه السائق نفسه، لكنها تظل ذات قيمة وحكمة.

"لو خايف.. اعمل نفسك مش شايف!"، جملة استوقفتني كثيرًا.. قد يراها البعض رسالة سلبية للتغاضي عن أشياء يأباها العقل أو غير منطقية تدعو لعدم الاكتراث بما يحدث من حولنا، في ما يراها آخرون حكمة بليغة في مقصدها، لدفع الأذى وتجنب الوقوع في المحظور!

مع بدء شهر الصيام، تبدأ معه موجة الهجوم الكاسح من الأعمال الرمضانية التي يتم التنويه عنها قبل أشهر، لتحاصر المشاهد قبل إطلاقتها، ولكن الانتظار يتبدد مع الأيام الأولى لعرضها على الشاشة، حيث يُصاب الإنسان بالدهشة عندما يتابع بعض تلك الأعمال، وما تحمله من "سخافات" تُظهر حالة من التناقض المجتمعي!

ولعل أبرز ما يثير الأسى، هو هذا الكم من الإعلانات، أو بالأحرى الفواصل الإعلانية التي تفوق مدة عرض البرنامج أو المسلسل أو المادة التلفزيونية، خصوصًا المحتوى السيء لكثير منها، والذي يتسم بالتناقض الحاد.. فمن إعلانات "التسول" والتبرع بالصدقات والزكوات، إلى إعلانات القصور الفارهة والمصايف والشاليهات والعطور والمجوهرات!

إننا نلاحظ أن محتوى معظم تلك الإعلانات، صادم للمتلقي، بعيد عن الذوق الفني الراقي، لدرجة تشعر معها أن المجتمع يُراد له أن يكون مسخًا مشوهًا، وكأننا على موعد سنوي في شهر رمضان لزيادة جرعة "التسول"، أو تكريس "الطبقية" بين الناس!

في الفقرة الإعلانية أو الفاصل الواحد، تصطدم المشاعر بتكرار إعادة بعض المشاهد لشريحة كبيرة من المجتمع، ما بين جوعى ومرضى ومحتاجين، وآخرون مصابون بالتخمة من الثراء الفاحش، في استفزاز واضح لمشاعر البسطاء والكادحين والمطحونين!

وبالعودة إلى ما يُقدم في رمضان (شهر التقوى والعبادة) نستطيع الحكم مبكرًا على المحتوى المقدم، بأنه مليء بالكثير من الإفلاس الفكري، وإيذاء المشاعر، والعبث بالأفكار، أو أنه محاولة متعمدة لتشويه الثقافة وتسطيح الفكر!

إننا يمكن أن نتفهم "الدوافع" التجارية ونزعات الربح عند البعض في الأعمال الفنية، تحت مسميات "السياق الدرامي" أو "الإبداع" أو التي يمكن أن تندرج تحت شعار "حرية التعبير"، ولكن ما لا يمكن لنا أن نفهمه أو نتفهمه بالتأكيد هو اعتقاد وإصرار البعض أن المتلقي "بالغباء" الذي قد يتوقعونه!

ما نلاحظه حتى الآن يكفي للدلالة على أن محتوى العديد من المسلسلات والبرامج غير صالح "للاستخدام الإنساني"؛ ولا يمكن الاكتفاء بغض الطرف عن  كثير مما يقدم خلال الشهر الفضيل، عملًا بالحكمة المكتوبة على التوك توك: "لو خايف.. اعمل نفسك مش شايف"!