رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

فصل المقال فيما بين «النهضة» وليبيا من اتصال!

ربما يبدو هذا العنوان مضللًا، وقد يرى بعض القراء أنه لا صلة بينه وبين مضمونه، وأنه ليس سوى نوع من الافتتان أو الاستعارة لعنوان الكتاب الأشهر لابن رشد «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال»، وهو أمر يلتمس صاحبه لنفسه العذر فى أن له سابقة أو سوابق عديدة تعكس حالة من الإعجاب أو الاقتباس مع التعديل أو المحاكاة من كاتب لاحق لآخر سابق، وهو ما نجده مثلًا فى كتاب نصر حامد أبوزيد «هكذا تكلم ابن عربي» الذى جاء محاكاة لعنوان كتاب نيتشه الأكثر شهرة «هكذا تكلم زرادشت»، بل إنه حدث من ابن رشد ذاته حينما راح يقدم كتابًا على شاكلة عنوان لسلفه الغزالى وردًا عليه وهو كتاب «تهافت التهافت» الذى جاء ناقدًا لكتاب «تهافت الفلاسفة».

بعيدًا عن هذه الثرثرة التى قد يرى قراء أنها قد لا يكون لها من نتيجة سوى التسبب فى حالة من التوهان للقارئ، أشير إلى أنه رغم ما سبق فإن هناك وجه اتصال رئيسى ومركزى فيما يتعلق بالمضمون ألا وهو أن قضية سد النهضة وقضية الأوضاع فى ليبيا قد لا يسود خلاف كبير بين المصريين على أنهما من أكبر مهددات الأمن القومى المصرى منذ أن صك الرئيس الراحل أنور السادات فى النصف الثانى من حقبة السبعينيات مصطلح أو عبارة «لتكن حرب أكتوبر آخر الحروب»!

ولعله يؤكد ما نذهب إليه من ارتباط أزمة سد النهضة بالأزمة الليبية وتأثيرها على أمننا القومى أن مجلس الأمن القومى المصري، والذى نادرًا ما يجتمع سوى لبحث القضايا الملحة والمصيرية التى تواجه الوطن، اجتمع الخميس قبل الماضى وكان محور الاهتمام هاتين القضيتين، حيث ناقش المفاوضات الجارية من أجل التوصل إلى اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، كما تناول التطورات الراهنة المتصلة بالأزمة الليبية.

وعلى الرغم مما يجمع الأزمتين من وجه تشابه رئيسى ألا وهو تهديدهما للأمن القومي، إلا أن بينهما سواء فى طبيعتيهما وفى نمط التعامل معهما الكثير من الاختلافات. لعل أولها مستوى الخطورة، فأزمة النهضة تتعلق بمصدر هو منبع الحياة، وأقل تأثير على هذا المصدر يمكن أن يسبب مشاكل جمة وهو ما يعنى أن الأزمة تكتسب أهمية أكبر فى مستوى الإهتمام الذى يجب أن يوجه لها. فيما أن الأزمة فى ليبيا رغم محوريتها إلا أنها لا تلقى بذات التأثير من الخطورة على مصر، حيث إنها تمثل صراعًا على النفوذ من قبل النظام القابع فى أنقرة تحاول مصر احتواءه لما يمكن أن يتتبعه مد هذا النطاق من النفوذ من تأثير سلبى على مصالحها، وهنا تأتى على رأس هذه المصالح قضية غاز بحر المتوسط والذى تعلق عليه الدولة آمالًا كبيرة ما يعطى لمواجهة المساعى التركية أهميتها ووجاهتها.

هذا فضلًا بالطبع عن إمكانية أن تعانى مصر جراء ما يحدث فى ليبيا وعلى يد نظام أردوغان من تصدير موجة من الإرهاب إليها، وهو أمر لا يمكن أن يتم التطرق إليه إلا بالإشارة إلى الدور الرائع لقواتنا المسلحة والتى كان ليقظتها مساهمة كبيرة فى حمايتنا من خطر الإرهاب القادم من الحدود الغربية.

من ناحية أخرى يتمثل وجه الاختلاف الثانى فى طبيعة الخصم، فهو فى حالة النهضة خصم مراوغ، يعطيك من اللسان حلاوة، يأتى إليك فى عقر دارك ليجلس على مائدة المفاوضات.. يأكل ويشرب من مياهك التى يحاول أن يبتلعها، دون التحرك قيد أنملة عن موقفه ولعل بيان الخارجية المصرية الذى أصدرته أمس الأول بشأن المراوغات الأثيوبية رغم دخول المفاوضات مراحلها الأخيرة يؤكد ذلك. أما الخصم فى الحالة الليبية فهو خصم أهوج يجلب عليه بمواقفه التى تبدو صريحة وتكشف عن أطماعه تزايد الرفض لهذه المواقف على المستوى الدولى مما يصعب من مهمته، ويعزز هذا الطرح الرفض الأوروبى بل والأمريكى للطرح التركى بشأن التدخل فى ليبيا وهو ما يعنى فى النهاية تسهيل مهمة مصر فى مواجهة هذا المخطط التركى على عكس الوضع فى الحالة الأثيوبية.

أما ثالث أوجه الاختلاف بشأن الأزمتين محل التناول فيتمثل فى أسلوب التعاطى معهما وهو ما ينبع من طبيعتيهما، فلإن قضية النهضة لم تظهر فى البداية على النحو الذى آلت إليه خواتيهما، فقد رأت مصر التعامل معها بمنتهى الدبلوماسية، حتى أنه يمكن القول إن الدبلوماسية المصرية بشأن النهضة تستحق أن يتم تدريسها فى مقررات العلوم السياسية كنموذج لالتزام الحكمة والصبر والتأنى فى المفاوضات. أما القضية الليبية فهى منذ البداية واضحة على أنها خطر يرتبط بعمل عسكري، ولذلك كان الحزم المصرى أوضح ما يكون فى عدم التقاعس عن أى عمل يحفظ للبلاد أمنها.

وبعيدًا عن هذه الملاحظات، فإن المتابع يمكن أن يلحظ أنه مهما اختلفت تكتيكات صانع القرار المصرى مع الأخطار التى تواجهنا، فإن النتيجة فى النهاية واحدة، وهى أن الأمن القومى المصرى خط أحمر لا يجب أن يرتقى الشك لدى أى مواطن مصرى فى أنه سيتم مواجهته بالسبل المناسبة التى تجعلنا فى مأمن من كل خطر.. نسأل الله السلامة!

[email protected]