رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

غياب الفلاسفة والفلسفة عن المشهد من علامات التخلف

ترددت كثيراً أن أكتب عن أهمية وجود الفلسفة والفلاسفة بالنسبة لمجتمع يريد أن ينهض رغم أنني أؤمن كما يؤمن كل الفلاسفة عبر التاريخ أنه لا تقدم ولا نهوض بدون رؤى فلسفية تتجاوز الواقع وترسم صورة للمستقبل، وأنه لا تنمية ولا تحضر بدون تفكير عقلي وتفكير علمي ينتقل به المجتمع من حال الى حال، ومعلوم أن الفلسفة هي العلم الوحيد الذى يغرس في البشر مهارات التفكير العقلي والتفكير النقدي والعلمي. أقول ترددت كثيراً أن أكتب حول هذا الموضوع إلي أن فوجئت بأحد الدارسين الذين حضروا مناقشة علمية لي وكان موضوعها عن فلسفة التعليم وأهمية وجود مقرر دراسي في المرحلة الثانوية عن الفكر الفلسفي المصري المعاصر، فوجئت به ينتحي بي جانباً ويسألني مندهشاً: أين أنتم من المشهد السياسي والاجتماعي والإعلامي الحالي في مصر وأنتم أصحاب الرؤي الفكرية القادرة علي قيادته؟! وكيف ينهض مجتمعنا ونحن لا نزال - كما قلت في هذه المناقشة العلمية- نردد مقولة «بلاش فلسفة» ونوحد بين «الهم والتفكير العقلي» ونعتبره شراً ينبغي أن نبتعد عنه؟!

ووجدتني أقول له مستنكراً : الفلاسفة يُطلبون ولا يَطلبون، يسعي إليهم الناس والحكام ولا يزاحمون، إن دورنا يتوقف الأن عند حدود كتابة ما نكتب كرؤي تفسر الواقع وتقترح حلولاً للمشكلات وتتنبأ بالمستقبل وترسم طريقاً لتحقيق التقدم والنهوض، وليس من مهمتنا أن نزاحم ونفرض أنفسنا علي أي جهة أو أي سلطة هنا أو هناك!!

والحقيقة التي ربما يقصدها السائل هي أين دور الحكمة والحكماء في أجهزة الدولة المختلفة وفي برلمانها؛ لقد توقف الإبداع في التعليم المصري منذ عهد طه حسين صاحب الرؤية القائلة بأن التعليم ينبغي أن يكون كالماء والهواء وصاحب الدعوة الأولى إلي مجانية التعليم، وصاحب «مستقبل الثقافة في مصر». أين وزراء الثقافة ودورهم الحقيقي في التنوير والتقدم والتحديث بعد وزراء من أمثال ثروت عكاشة صاحب الرؤية الفكرية الواعية بالدور الجضاري لمصر عبر التاريخ، أين الجديد في وزارة الاوقاف منذ تركها محمود حمدي زقزوق ومحمد عبد الفضيل القوصي!! إنه لولا وجود الفيلسوف الشيخ أحمد الطيب علي رأس الأزهر الشريف الآن لقلت: علي التجديد الديني السلام!! فأمل تجديد الفكر الديني والخطاب الديني لا يزال موجوداً بوجوده.

والسؤال الآن: أين دور الفلاسفة في صياغة دستور مصر والمعروف أن الدساتير ومبادئها الأساسية لا يصوغها ويكتب ديباجتها إلا الفلاسفة ورجال القانون المتفلسفين؟! أين دور الفلسفة والفلاسفة في قيادة الثقافة المصرية منذ إبراهيم مدكور وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ونجيب محفوظ (وهو الفيلسوف الأديب)؟! أين دور الفلاسفة في هذا البرلمان الذى تشكل وعين فيه الفنانين والشعراء والأدباء ولاعبي الكرة إلي جانب رجال القانون وبعض السياسة والعلماء، أليس في مصر فيلسوف يصلح ليكون ضمن هذا التشكيل البرلماني فيمثل صوت الحكمة والعقل داخل البرلمان في هذه المرحلة الدقيقة التي تقتضي وجود صوت حر حكيم عادل يحمل في عقله زاد معين لا ينضب من تاريخ الفلسفة السياسية التي قادت التقدم السياسي في إنشاء الدول على مبادئ العدالة والمساواة وطورت نظم الحكم عبر التاريخ؟! أين ذلك الصوت الفلسفي القادر علي التنبؤ بمستقبل الصراع الدولي وحوار الحضارات والقادر علي بلورة رؤية للتعامل معها الآن وفي المستقبل القريب والبعيد؟!

لقد نادت الثورة المصرية في عام 2011 وبعدها في 2013 بالحرية والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية؛ وكلها قيم نادي بها الفلاسفة منذ عصر التنوير الأوربي وضمنوها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجعلوها قيما تنادي بها الشعوب وتقوم من أجلها الثورات، ولا تستقر إلا بوجود هذه القيم علي أرض الواقع. فأين الفلاسفة المصريون من المشهد المعاصر ثقافياً وسياسياً واجتماعياً؟! أين هم من كل هذا الزخم الإعلامي المكفهر بكل صنوف القيم الهابطة والحوار الرديء؟! أين هم من صناع القرار وقادة الرأي الذين أصبح أغلبهم من الجهلاء بكيفية صياغة الرؤي وآليات اتخاذ القرار وكيفية قيادة الرأي العام نحو بث قيم التقدم والتحضر وتغييب التعصب وعدم التسامح والتطرف إلي أخر قائمة كل قيم التخلف التي نعاني منها، ولن يخلصنا منها إلا رؤية فلسفية نتفاعل معها ونتحاور من خلالها للوصول إلي إعادة بناء لثقافتنا القومية وارثنا الحضاري وفكرنا الديني المتخلف عن مواكبة العصر ولم شمل الأمة لمجابهة ما تواجه من تحديات؟!

إن أمة تريد أن تتقدم وترتقي بأبنائها لابد أن يتصدرها أصحاب الرؤي العقلية النافذة والقادرة على فهم أبعاد الحاضر وكشف أستار المستقبل، وليس هؤلاء إلا الفلاسفة أو أصحاب الرؤي العقلية أيا كان مجال تخصصهم الآخر، فهل آن لنا أن نعي ذلك؟! أم سنظل نردد عن جهل تحسدنا عليه وتريده لنا كل الأمم المتقدمة «بلاش فلسفة» و«روح يا ابني ربنا يكفيك شر الفكر»!! ومن ثم سنظل ننأى بالفلسفة والفلاسفة عن صدارة المشهد وهم الأولي حقاً بصدارته!