رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نهاية «السلطان» المريض!

أخيراً لاحت فى الآفاق القريبة نهاية أكذوبة المتأسلمين المسماة أردوغان، خاصة أنه يمكن القول إن الانتخابات البرلمانية التركية لعام 2015 استطاعت تكريس ثلاثة لاءات، لا تعديلات دستورية، لا انفراد في الحكم لحزب العدالة والتنمية بعد الآن، ولا نظام رئاسي يجعل من أردوغان حاكماً مطلقاً علي مدار سنوات طويلة عديدة، وكانت تلك الانتخابات بمثابة القاضية للرجل الذى يصفه معارضوه بـ «السلطان» المريض بـ «جنون العظمة».

فبعد 13 عاماً بقي خلالها سلطان تركيا بلا منازع، وتلقى رجب طيب أردوغان في الانتخابات التشريعية أول صفعة سياسية كبيرة أسقطت أحلامه بالهيمنة على البلاد. ورغم أن أردوغان (61 عاماً) يبقى بعد الانتخابات وبفارق كبير الزعيم السياسي الأكثر شعبية وهيبة في بلاده منذ مصطفى أتاتورك مؤسس الجمهورية الأسطوري، غير أن خططه لتقويض النظام البرلماني وإعادة إحياء «رئاسة قوية» على صورة عهد سلفه القديم أحبطت لفترة طويلة، خاصة أن صورة أردوغان الحقيقية ظهرت، فهو السياسي الأصولي المناهض ظاهرياً للغرب المتخذ من الاسلام شعاراً يتلفح به لجعل تركيا قائدةً للعالم الإسلامي مستغلاً القوة التاريخية والإمبريالية لتركيا محاولاً إعادة الدولة العثمانية التي يحلم بتحقيقها، مكمماً الأفواه محارباً الإعلام، قامعاً للمظاهرات السلمية ومسيساً الشرطة والقضاء، ناشراً الفساد في البلاد، هذا الأردوغانى اللاعب على الحبال، العاقد تحالفات ضمّت مسلمين ويساريين وساحب البساط من تحت أرجل العسكر هو الذى اعتقل وسجن ثلثي جنرالات الجيش بتهمة تعاونهم مع الجلاديو (شبكة نفوذ سرية تابعة للولايات المتحدة) الذى ينسجم مع توجهات الاتحاد الأوروبي، ولكن الجيش التركي لم ينس له ذلك خاصة أنه ليس مرتاحاً لتورط تركيا في الداخل السوري لما يترتب من انعكاسات عليه، وبالتالى فالتغيرات المستجدة ستشجع الجيش على الخروج من سيطرة أردوغان الكاملة والتعبير عن رفضه لتحويل تركيا إلى مقر وممر للإرهابيين، خاصة بعدما حقق أردوغان أضخم مؤشر عالمي في اعتقال الصحفيين. مكوناً المجتمع الإسلامي الذى يعلن حاكموه أنهم أنصار «الديمقراطية» وفى الخفاء لا صوت يعلو فوق صوت ما يريدونه، وما فعله أردوغان من «أسلمة» النظام التعليمي في تركيا وزيادة نسبة المدارس الإسلامية ما هو سوى وسيلة لتطبيق نظام السمع والطاعة، المدعوم من خلال أفكار وأموال تنظيم الإخوان المسلمين. ولأن «الديمقراطية» مجرد واجهة تسمح للإخوان بأسلمة المجتمعات ظاهريا ولكنها تدعم الرأسمالية والامبريالية الأمريكية المزيفة.

ومؤخراً كان «أردوغان» المنفذ لأجندة «التنظيم الدولي للإخوان».. محاولاً تصدير «النموذج الأردوغاني» إلى دول الجوار العربي، وكانت تلك الخطوة محفوفة بالمخاطر، وجاءت نتائجها عكسية تماماً، فقد جرى التصدي لها بشراسة من خلال ثورة 30 يونية فى مصر، وقوة انتخابية ناعمة في تونس (النساء لعبن دوراً كبيراً إلى جانب أخطاء الحكم الإسلامي)، وأخيراً تراجع اقتصادي في تركيا نفسها (انخفضت نسبة النمو من 7٪ إلى 3٪ وارتفعت معدلات التضخم، وخسرت الليرة حوالي 30٪ من قيمتها). وهذا ما نبه إليه سابقاً كتاب «السياسة الخارجية التركية تجاه القوى العظمى والبلاد العربية عام 2002» للدكتور جمال واكيم وموريال ميراك.

وفي عام 2010 نشر كتاب «صراع القوى الكبرى على سوريا»، لنفس الكاتب ليؤكد على السقوط السياسي لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ووفق دراساته فهو مقتنع بسقوط السياسة الخارجية الأردوغانية، ومتأكد من فشل السياسة التركية الخارجية.. لذلك لم يكن غريباً أن  الحلم الأردوغاني أسقطته المعارضة التركية بالضربة القاضية، ولم تكتفِ تلك المعارضة بإسقاط أردوغان سياسياً ومنعه من الحصول على الأغلبية التي تتيح له تعديل الدستور، لكنها رفضت حتى فكرة انضمامها لتحالف حكومي يضمها إلى «العدالة والتنمية»، هذا الرفض جاء متوافقاً مع فكرة يسعى إليها الحزبان الكبيران في المعارضة لتشكيل حكومة بدون «العدالة والتنمية»، وهما قادران على تحقيق هذا الأمر نظرياً بالنظر لما يمتلكونه من كتلة برلمانية، مع ضمان حصولهم على تأييدٍ لنواب حزب «الشعوب الديمقراطي» الذي يدعمها.

هذا الأمر دفع بأردوغان للصراخ عالياً، والعودة للغة تهديد الخصوم بمعاقبتهم، رغم أنه كالبطة العرجاء لم يعد يمتلك أي وسائل لتنفيذ تهديداته والتشفي بـ «أعدائه» إلا بالوسائل الإرهابية.. تهديدات أردوغان وعصاباته الإرهابية لم تتجسد فقط بأحداث العنف التي جرت في «ديار بكر» وأدت لسقوط قتلى وجرحى، لكن أذرعه الإرهابية في سوريا حاولت الثأر له عبر المجزرة الإرهابية التي ارتكبتها عصابات النصرة في إحدى قرى ريف إدلب بحق أبناء طائفة الموحدين راح ضحيتها 36 شهيداً ذُبحوا بدمٍ بارد، رغم أن هناك من أقنعهم يوماً من خارج الحدود بأنهم سيكونون بأمان.. وهناك عوامل أخرى لها نفس الأهمية لسقوط أردوغان منها تباطؤ الاقتصاد، والبطالة، والحقوق المدنية، وتعثر عملية السلام الكردية والمخاوف من إعطاء أردوغان المزيد من الصلاحيات في السلطة وتحوله إلى ديكتاتور، الى جانب أن ما قيل قبل الانتخابات بشأن اعتزام أردوغان القيام بحملة أخرى لقمع الصحفيين والمنتقدين له، مع توجيهه المستمر للإهانات، والتهديدات، والاتهامات إلى المعارضين، والناشطات السياسيات، والإعلام، وغير المسلمين، والأقليات العرقية والثقافية في تركيا، وعلى الرغم من أنه، كرئيس للجمهورية، لابد أن يكون محايداً بين الأحزاب المختلفة، إلا أنه خالف ذلك وشن حملة لدعم حزبه الحاكم العدالة والتنمية. ولهذا تبدو تلك النتائج كهزيمة شخصية لأردوغان نفسه.