رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا تبقى الفاشية هى الخطر؟

 

 

نشر الكاتب الشهير «جون بلجر» علي موقع «تويتر» بتاريخ 27 فبراير عرضاً مطولاً لما يدور من أحداث مأساوية في العالم كنتيجة مباشرة لتسلط الجماعات الفاشية علي الحكم في دول الغرب الاستعمارية وعلي رأسها أمريكا، نعرضه علي القارئ في هذا المقال والمقالات التالية نظراً للعمق في التحليل الذي يوضح للقارئ حقيقة ما يدور في العالم.

يقول «بلجر»: إن الاحتفال بالعيد السبعيني لتحرير معسكر أوشفتز الذي جري مؤخراً يذكرنا بجريمة الفاشية الكبري التي حفرتها النازية في عقولنا، فالفاشية تبقي تاريخاً وتذكيراً لنا بفرق الصاعقة النازية وجرائمها الراسخة في وعينا، ومع ذلك ففي المجتمعات الليبرالية المعاصرة التي تصنع نخبتها الحروب وتطلب منا في نفس الوقت ألا ننسي جرائم النازية يتزايد خطر الفاشية الحديثة التي يحاولون إخفاءها لأنها فاشية من صنعهم.

وقد قال قاضي محكمة نورمبرج لجرائم الحرب عام 1946: إن تبدأ حرب عدوانية ليس مجرد جريمة دولية، بل قمة الجريمة الدولية التي لا تفرق عن باقي جرائم الحرب إلا في أنها تحمل في طياتها كل مجموع الشر الذي تمثله جرائم الحرب».

فلو لم يغزو النازيون أوروبا لما حدثت أوشفتز والمحرقة، ولو لم تغزو أمريكا والدول التابعة لها العراق في عدوانها عام 2003 لظل أكثر من مليون إنسان علي قيد الحياة الآن، ولما شاهدنا اليوم وحشية داعش التي يسمونها الدولة الإسلامية، هؤلاء هم مضمون الفاشية الحديثة التي تحاصرنا بقنابلها وحمامات الدم والأكاذيب التي تغرقنا فيها.

ومثل فاشية ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تقدم لنا فاشية اليوم الأكاذيب الضخمة التي يرددها الإعلام، فلنأخذ مثلاً كارثة ليبيا، ففي عام 2011 شن حلف الناتو 9700 غارة علي ليبيا كان أكثر من ثلثها ضد أهداف مدنية، واستخدمت فيها قنابل اليورانيوم وغطيت مدينتا مصراتة وسرت بالقنابل في غارات إبادة، واكتشف الصليب الأحمر مقابر جماعية، وأعلنت منظمة الطفولة العالمية أن معظم الأطفال الذين قتلوا في هذه الغارات كانوا دون سن العاشرة.. وكان انتهاك رجولة الرئيس السابق القذافي علناً بسونكي بندقية أحد «الثوار» مثار التعليق التالي من هيلاري كلينتون وزيرة خارجية أمريكا عندئذ: «لقد جئنا ورأيناه وهو يموت».. وكان تبرير جريمة قتله وتدمير بلده بأكذوبة كبري وهي أنه كان يخطط لإبادة شعبه.. وأضاف أوباما للأكذوبة قائلاً: «كنا نعلم أننا لو انتظرنا يوماً واحداً فإن مدينة بنغازي كانت ستتعرض لمذبحة تهز المنطقة وتهز ضمير العالم».

كانت هذه هي المزاعم المفبركة من الميليشيات الإسلامية التي كانت علي وشك الانهزام أمام قوات الحكومة، فقد قالوا لمندوب وكالة رويترز الإخبارية أنه سيكون هناك حمام دم حقيقي ومجزرة مثلما حدث في روندا، وكانت هذه الأكذوبة هي التي أشعلت الشرارة الأولي للجحيم الذي فتحه حلف الناتو في ليبيا الذي زعم كاميرون رئيس الوزراء البريطاني أن تدخل الناتو كان لأسباب إنسانية محضة.

وكان الثوار الليبيون الذين دربتهم وسلحتهم القوات الخاصة البريطانية هم الذين تكونت داعش من الكثير منهم، وهم من أذاعوا فيلم الفيديو الذي سجلوا فيه قطع رؤوس 21 قبطياً مصرياً قبضوا عليهم في مدينة سرت التي دمرها حلف الناتو بزعم الدفاع عنهم.

كانت جريمة القذافي الحقيقية في نظر أوباما وكاميرون وهولاند هي استقلال ليبيا الاقتصادي وإعلان القذافي عزمه علي إيقاف بيع أحسن أنواع النفط في أفريقيا بالدولار الأمريكي، فالدولار البترولي هو عامود قوة أمريكا الامبريالية، وكان القذافي ينتوي إنشاء عملة أفريقية مغطاة بالذهب، وأنشأ بنكاً لكل أفريقيا ودعا لوحدة اقتصادية لدول أفريقيا الفقيرة، ذات الثروات الطبيعية المهمة، وبصرف النظر عن إمكانية تحقيق حلمه، فمجرد الحلم كان لا يمكن لأمريكا احتماله وهي ترتب لغزو أفريقيا ورشوة حكوماتها بـ «الشراكة» العسكرية.

وبعد هجوم الناتو تحت غطاء قرار من مجلس الأمن صادر أوباما ثلاثين مليار دولار من البنك المركزي الليبي كان القذافي قد أودعها لإقامة بنك مركزي أفريقي برصيد ذهبي سماه الدينار الأفريقي، أما ما سماه الغرب حرباً إنسانية ضد ليبيا فكان خداعاً عاطفياً لشعوب الغرب في وسائل الإعلام، ففي عام 1999 أرسل كلينتون وتوني بلير طائرات الناتو لضرب الصرب وروجا أكذوبة أن الصرب كانت تمارس التطهير العرقي ضد الألبانيين في إقليم كوسوفو المنشق عن الصرب، وزعم السفير الأمريكي لجرائم الحرب دافيد شيفر أن 225000 ألباني من الرجال والنساء بين سن 14 وسن 59 قد تم اغتيالهم، وردد كلينتون وبلير موضوع المحرقة والحرب العالمية الثانية، وكان حلفاء الغرب هم ما سمي بجيش تحرير كوسوفو الذي تجاهل الغرب سجله الإجرامي.

وبعد انتهاء القصف الجوي لحلف الناتو وتحطيم معظم البنية التحتية للصرب ومدارسها ومستشفياتها، حضرت جماعات الطب الشرعي الغربية لكوسوفو للبحث عن أدلة علي «المحرقة»، وفشل البوليس الفيدرالي الأمريكي في إيجاد مقبرة جماعية واحدة، وواجه فريق الطب الشرعي الإسباني نفس النتيجة، وبعد سنة أعلنت الأمم المتحدة المشكلة في يوغوسلافيا أن العدد الكلي لقتلي كوسوفو هو 2788 شخصاً من المحاربين علي الجانبين، وأنه لم يكن هناك تطهير عرقي وأن كلمة «المحرقة» كانت أكذوبة، وبذلك فهجوم الناتو عدوان صريح.

كانت هناك أهداف خاصة للغرب من هذه الأكاذيب، كانت يوغوسلافيا دولة مستقلة ذات وضع فريد، فكانت اتحاداً فيدرالياً من أجناس متعددة وقفت خلال الحرب الباردة كقنطرة بين المعسكرين، كان معظم اقتصادها مملوكاً للدولة، ولم يكن هذا مقبولاً من دول الناتو التي تريد مد نفوذها، خاصة ألمانيا بعد إعادة توحيدها وسعيها للاستيلاء علي السوق الشرقي الطبيعي في كرواتيا وسلوفينيا، وكان اعتراف ألمانيا بجمهورية مستقلة في كرواتنا عام 1991 هو نهاية دولة الاتحاد اليوغسلافي فعلياً.

وفي أمريكا عملت حكومتها علي رفض البنك الدولي تقديم قروض لاقتصاد يوغوسلافيا المتعثر، وبدأ بعث الحياة في حلف الناتو الذي كان دوره قد انتهي بنهاية الحرب الباردة أوائل التسعينيات فجاء مؤتمر «الصلح» في كوسوفو عام 1999 بمدينة رامبويللت الفرنسية، وواجه الصربيون خلاله أقسي أنواع الابتزاز، وضم الاتفاق ملحقاً سرياً «ب» أدخلته أمريكا في آخر يوم لمؤتمر الصلح ينص علي الاحتلال العسكري لكل يوغوسلافيا، وتطبيق سوق حر اقتصادياً وخصخصة كل الشركات الحكومية، ولم تقبل حكومة يوغوسلافيا المستقلة توقيع اتفاق كهذا، فجأ رد حلف الناتو سريعاً وهو الهجوم الجوي علي الصرب، وكانت هذه هي مقدمة ما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا وأوكرانيا فيما بعد.

منذ عام 1945 واجهت 69 دولة وهي أكثر من ثلث دول العالم بعض أو كل الأحداث التالية علي يد فاشية أمريكا الجديدة، فقد تم غزو هذه الدول وإسقاط حكوماتها وقمع منظماتها الشعبية، وتزوير انتخاباتها وقصفها من الجو وحرمان اقتصاداتها من أي حماية ومحاصرة مجتمعاتها بما عرف بالعقوبات، ويقدر المؤرخ البريطاني مارك كورتيس عدد من مات نتيجة كل ذلك بالملايين، وفي كل حالة الغرب يسوق أكذوبة تبرر كل ما يفعل، كما قال أوباما علي سبيل المثال: «لأول مرة الليلة منذ عام 2001 فإن مهمتنا قد انتهت، ولم يبق لنا جنود يحاربون».

رغم أن أمريكا احتفظت بعشرة آلاف جندي وعشرين ألفاً مقاولين عسكريين «أي جنود مرتزقة» في أفغانستان لمهام خاصة، فهذه هي أطول حرب في تاريخ أمريكا، ورغم زعم أوباما بانتهائها فقد فاق عدد القتلي من المدنيين عام 2014 أكثر من عدد من قتل في أي سنة منذ بدأت الحرب عام 2001.

وتنافس مأساة أفغانستان مأساة حرب فيتنام، وفي كتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبري.. السيادة الأمريكية وضروراتها الاستراتيجية» يقول برزينسكي أبوالسياسة الأمريكية من أفغانستان حتي يومنا هذا: «إذا كان علي أمريكا أن تسيطر علي العالم فلا يمكنها حماية الديمقراطية الشعبية، لأن البحث عن القوة هو هدف لا تسيطر عليه العواطف، والديمقراطية عدو للزحف الإمبراطوري».. وعندما كان برزينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي عام 1976 للرئيس كارتر عزز أفكاره بتوجيه ضربة قاتلة لأول وآخر حكم ديمقراطي عرفته أفغانستان.

ونقف عند هذه الفقرة من العرض المأساوي لسجل الجرائم النكراء التي يرتكبها وحوش الاستعمار الغربي تحت ستار الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، ونعرض في المقال التالي تفاصيل جريمة برزينسكي وسادته علي أفغانستان.

 

 

الرئيس الشرفي لحزب الوفد