رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نابليون 2019

 

 

حين نتأمل ما كتبه علماء الحملة الفرنسية عن عادات وتقاليد المصريين ( 1798 – 1801 ) ضمن موسوعة وصف مصر قد تصيبنا الدهشة من أن شيئا كثيرا لم يتغير فى الشخصية المصرية بعد 220 سنة تقريبا على حلول نابليون وجنوده بمصر .. من ملاحظات علماء الحملة على شخصية المصرى نصا « لا يمكنك أن تكشف ما يعتمل فى نفوس المصريين عن طريق ملامحهم ، فصورة الوجه ليست مرآة لأفكارهم ، فشكلهم الخارجى فى كل ظروف حياتهم يكاد يكون هو نفسه ، إذ يحتفظون فى ملامحهم بنفس الحيدة وعدم التأثر سواء حين تأكلهم الهموم أو يعضهم الندم أو كانوا فى نشوة من سعادة عارمة ، ويمكننا أن نلتمس أسبابا عديدة لهذا الجمود المذهل فى الملامح أهمها وأبرزها اعتقاد الصريين فى القضاء والقدر المنتشر بين كافة الناس ، كما تعود فى النهاية إلى تعودهم أن يكونوا على الدوام عرضة نزوات الطغاة الذين يعم ظلمهم البلاد. فى كل يوم تنشأ أخطاء وبشاعات جديدة تصبح الغفلة معها بالنسبة للمصريين نوعًا من الحيلة لمواجهة هذا العسف . لذا فلا ينبغى أن نبحث عن مصدر آخر لأسباب هذا النوع من التسليم المستعذب للألم الذى يميز المصريين ، فالشكاوى والصيحات أمور لا فائدة منها أمام إرادة الطغاة « وفى موضع آخر من وصف مصر» يعرف المصرى كيف يمشى وقد أغضبه الألم وكيف يموت تحت عصا القواس دون أن يقول كلمة – فهذه إرادة الله ، والله أكبر والله غفور .. وتلك فقط هى الكلمات التى تأتى على لسانه عندما يبلغه نبأ نجاح لم يكن يأمله ، وهى نفسها التى تفلت منه عندما يبلغه نبأ كارثة كبرى ألمت به. ويبدو خمول المصريين الملتصقين بمدنهم أمرا بالغ التناقض مع تقاليدنا ( تقاليد الفرنسيين ) حتى لنظنهم فى البداية بلهاء أو معتوهين ، فتحركاتهم وأحاديثهم وأبسط حركاتهم بل ومسراتهم – كل ذلك يشى بعدم اكتراث مذهل . حتى تظن أن ليس ثمة فى هذه الدنيا ما يشغلهم إلا أن يملأوا ويفرغوا على التوالى غلايينهم الطويلة ، وتبدو مخيلتهم وكأنما قد تخدرت مثل أجسامهم لدرجة أنك تتخيلهم فى حالة من التنويم ، إن سماعهم لحكم بالموت صادر عليهم لن يكون بمقدوره أن يثير مجرد دهشتهم . وبرغم ذلك فتحت هذا القناع من السلبية البادية على ملامحهم يكمن خيال ملتهب .. ».

هكذا رصد الفرنسيون عادات وتقاليد المصريين ، وأعتقد أن شيئا اليوم لا يختلف عن الأمس فيما يتعلق بالخمول والاستسلام لمقادير قد تودى بهم إلى التهلكة .. ولعل مشهد المقاهى المنتشرة فى كل شوارع وحارات مصر المعاصرة والمكتظة بنزلائها يدلنا على أن الدخان الكثيف بالعقل المصرى مازال قادرا على خنق أى خيال فى مهده خاصة وأن أخطر أنواع هذا الدخان الخانق هو ما يصدر من حانات الخوف وصناديق الموروث التى يهرب إليها العقل الجمعى عندما لا يغريه ما يأخذه نحو المستقبل .. الشخصية المصرية المعاصرة قد تكون بقايا متنافرة من أزمنة خلت .. بقايا من إيمان وضلال ، من شجاعة وجبن ، من حرية وعبودية ، من تحضر وتخلف .. إعادة بناء الشخصية المصرية ليس معجزة صعبة التحقق ولكنها ليست سوى خريطة طريق تحتاج قيادة تجيد قراءة الطاقات الكامنة تحت جلد السلبية شديد التجعد .. قيادة تستطيع تحديد تضاريس المستقبل لنتجه نحوه بلا جزع من فشل كثير التكرار .. بعد 220 سنة من حملة بونابرت ربما يكون المتغير الكبير فى مصر أن سكانها قد زادوا من 2.5 مليون نسمة الى أكثر من 100 مليون نسمه .. نبهتنا الحملة الى عصر جديد ولكننا لا نستطيع الجزم حتى اللحظة أننا عبرنا النهر نحو شواطيء جديدة .. ربما نكون قد تجاوزنا لحظة الدهشة ولكننا مازلنا نعيش حالة من الفرجة غير الخلاقة .