رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

وعاد الرأس للجسد..!

كانت صرخته تشق سكون منزلنا، ونداؤه فى الغرفة شبه المظلمة يزيد الأمر رعبا وظلاما وأشباحا، كان يردد فى صرخاته «نبيل.. نبيل»، أمى تهرول اليه بكوب من الماء، تبسمل وتحوقل، تأخذ رأسه الى صدرها، فيما يحرك يديه فى الهواء كمن يحارب شيئا يراه هو وحده، يهدأ.. يعاود النوم فى أيام اجازاته السريعة من الجيش، ويفارقنا بعدها الى مكان تجنيده وأمى حزينة تبكى لحاله وابى جزع فى صمت.

كنت حينها طفلة فى السادسة من عمرى، عندما كان اخى الأكبر فؤاد مجندا بالجيش، يخوض معهم حرب الاستنزاف فى سيناء مطلع عام 1970، كان صامتا شاردا وحزينا لا يحكى شيئا عن سر الكابوس المتكرر، وعن اسم نبيل الذى يردده، وكأن هذا الكابوس جزء من الأسرار العسكرية التى يجب عدم البوح بها، ولكن تكرار الكبوس والصرخات، جعلتنا نظن ان به مسا من الشيطان، شيطان لا يصرفه حتى آيات الذكر الحكيم التى تتلوها أمى.

كانت أمى تستحلفه ان يفك هذا الضيق والسر الكامن فى صدره، لعل فى البوح راحة، وأخيرا حكى أخى، كان فى مهمة ليلية مع فرقة من كتيبته بينهم صديقه المسيحى نبيل، داخل «دشمة» التجنيد يصبح الكل فى واحد، يقتسمون اللقمة والنومة والحلم وحتى الرهبة والاستعداد للموت فى أى لحظة، وفى تلك الليلة المظلمة، كانت المهمة، تسلل أفراد من الكتيبة لشن هجمة على القوات الإسرائيلية فى سيناء، والعودة سريعا الى المعسكر، وكانت اسرائيل ترد على هجمات قواتنا بهجمات كوماندوز وغارات جوية فى العمق المصرى، خاصة أن مصر لم تكن قد بنت بعد حائط الصواريخ.

نفذت المجموعة وبينهم شقيقى المهمة بنجاح وقفلوا فى سرعة الفهد عائدين الى المعسكر، وفجأة انطلقت المدافع الإسرائيلية تستهدفهم، جنودنا البواسل يحاولون الاحتماء بظلام الصحراء، حيث لا سواتر ولا حواجز قبل موقع الكتيبة بخندقها، وحين هدأت الغارة الإسرائيلية، عاود جنودنا سيرهم، وفجأة نظر شقيقى الى رفيقه الذى كان يسير بجانبه، نبيل، فإذا به جسد بلا رأس، يقسم أخى ان نبيل سار بضعة أمتار بجانبه وقد طار رأسه مع القصف الإسرائيلى، واعتقد اخى لأول وهلة ان بصره خانه وانه لا يرى وجه نبيل بسبب الظلام، فنادى عليه ولم يسمع ردا، اسرع يتحسس رأسه، فغرقت يداه فى نافورة الدم المنبعث من الرقبة.. نبييييييل، نادى باقى الرفاق، وحملوا نبيل بلا رأس الى الكتيبة، وفى الصباح لم يعثروا ابدا على رأسه ليدفنوه مع جسد الشهيد الطاهر.

ظل مشهد نبيل بلا رأس.. كابوسا يطارد اخى، ويطارد كل اسرتنا بقلب الصعيد، ككابوس النكسة الذى جثمت على نفوسنا جميعا، سنوات ثقيلة وأحداث وأحزان كئيبة هيمنت على حياتنا، على الرغم من تواصل حرب الاستنزاف لتكبيد العدو الاسرائيلى الخسائر، والعمل على اعادة الثقة للمقاتل المصرى بعد الهزيمة، وتحطيم صورة المحارب الاسرائيلى الذى لا يقهر.

غاب عنا أخى طويلا على الجبهة، وأبى وأمى وأخوتى الكبار جزعون، يلتفون حول جهاز الراديو الخشبى الضخم، يستمعون لأخبار الحرب، حرب اكتوبر 73، كان الخوف كبيرا وعاما، وخوفا خاصا على شقيقى فؤاد... انتصرنا.. عبرنا.. افراح النصر فى كل مكان، حتى فى بيوت الشهداء الذين دفع أبناؤهم أرواحهم ثمنا للعبور من النصر للهزيمة، لاستعادة الكرامة المصرية، وتحطيم الاسطورة الإسرائيلية.. فى عالمى الطفولى الصغير.. عشت معهم الفرحة دون أن ادرك الأبعاد الحقيقية كما أدركتها عندما كبرت بعمقها وقوة أهميتها، كان كل ما يهمنى حينها عودة أخى سالما وأنه لم يعد يصرخ فى نومه وهو يرى صديقة نبيل يسير بجانبه بلا رأس، قال أخى.. إنه شاهد نبيل فى منامه وقد استعاد رأسه، ويسير بجانبه مبتسما مشرق الوجه وحوله هالة من النور.. نور النصر يا أخى.. يا مصريين.. لا تنسوا أعداءكم.. لا تنسوا دماء شهدائكم.. أكملوا دوما نصرا صنعوه بأرواحهم.. أكملوه بالانتماء والعمل والبناء.

[email protected]