رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

صواريخ

البناء السياسى.. والتحول نحو الدولة الحديثة

< التعددية السياسية تعد ركناً أساسياً فى بنيان الدولة المدنية الحديثة القائمة على كافة القواعد الديمقراطية كأحد الأسس والركائز التى تنهض عليها  حداثة الدول.. وحتى تكون هناك تعددية سياسية فلا بديل عن وجود أحزاب سياسية حقيقية تدرك أسس وأهداف ومحتوى وجودها كتنظيم سياسى يضم مجموعة من الأفراد لديهم رؤى وأفكار مشتركة، ويسعون الى تحقيق مصلحة وطنية عامة من خلال التنافس السياسى للوصول الى مقاعد السلطة، وهو أمر يستدعى وجود أحزاب حقيقية ذات هيكل تنظيمى يجمع بين أعضائه، إضافة الى جهاز إدارى معاون وموارد مالية قادرة على تحقيق أهدافه من حيث الانتشار وتحقيق أنشطته المختلفة.. وكلنا يعلم أن التجربة الحزبية فى مصر مرت بتجارب  متعددة ما بين النشاط والتوقف والركود.. فمنذ نشأة الوفد عام 1918 واحتوائه لكل رموز الحركة الوطنية المصرية لمجابهة الاحتلال البريطانى، شهدت الحياة السياسية فى مصر تجربة سياسية رائدة، والتى عرفت بالحقبة الليبرالية وحققت  خلالها مصر قفزات سياسية واقتصادية وثقافية وفنية هائلة من خلال دستور 1923 الذى أسس لدولة المواطنة، وساوى بين كل المصريين وأعطى للمرأة  حقوقها السياسية والحريات العامة، وجاءت الثمار سريعة فى اقتصاد وطنى قوى وتفجرت الإبداعات فى مجالات الثقافة والفن والأدب وغيرها الى أن انتهت هذه الحقبة فى 1952 بعد إلغاء التعددية السياسية والأحزاب.

< بعد انتصار حرب أكتوبر المجيدة قرر الرئيس أنور السادات التوجه إلى الغرب وإضفاء مسحة من الديمقراطية على البلاد، بهدف الاندماج فى المعسكر الغربى، والتحول نحو  الاقتصاد الحر وإعادة العمل الحزبى من خلال تجربة المنابر السياسية التى جاءت ضعيفة كونها تحولت من النظام الشمولى أيام عبدالناصر إلى نظام الحزب الواحد الذى يشكله الرئيس ويتحكم فى كل حركته، وبعد رحيل الرئيس السادات عادت بعض الأحزاب السياسية فى عهد الرئيس مبارك بصورة شكلية بعد تكبيلها سواء بالقوانين أو بواقع الحياة السياسية فى مصر التى استمرت فى عملية خلط الدولة ومؤسساتها وأجهزتها بالحزب الحاكم حتى بات كلاهما وجهين لعملة واحدة ويستحيل التفريق بينهما.

< من هنا كان غياب التعددية السياسية الحقيقية سبباً أساسياً فى انفجار الشارع المصرى بعد أن وصل العبث الى تشكيل مجلس الشعب بصورة هزلية ومنافسة الأجنحة داخل الحزب الوطنى لبعضها على الغلبة فى عدد أعضاء كليهما لتنتهى هذه المرحلة فى «25 يناير 2011» وترسيخ صورة ذهنية سيئة فى مصر عن الأحزاب السياسية والعمل السياسى، وأدت الى عجز الأحزاب عن ملاحقة الأحداث السريعة أو إقناع الشارع بأهميتها.. وكان من الطبيعى أن تملأ جماعة الإخوان المسلمين هذا الفراغ سواء باستخدام الشعارات الدينية داخل المساجد وكل  مؤسسات الدولة أو من خلال استخدام ذراعها الاقتصادية، وفتح خزائنها وخزائن الداعمين لها من خارج مصر حتى تتحول من «البديل المستحيل» إلى بديل حقيقى بسبب عملية الفراغ السياسى وهشاشة النظام السياسى لفترة تجاوزت أكثر من ستين عاماً، وفوجئنا جميعاً بأن الإخوان أصبحت بديلاً للحزب الوطنى برلماناً ورئاسة وحكومة.

< إذن الأحزاب عانت كثيراً جراء الأنظمة الشمولية تارة والثقافة الشعبية تارة أخرى.. والآن وبعد أن استقرت الأمور سياسياً بعيداً عن الاستقطاب الدينى واستطاع الرئيس عبدالفتاح السيسى من خلال الالتفاف الشعبى الكاسح حوله من إعادة بناء أركان الدولة المصرية، وانضباط معظم مؤسسات وأجهزة الدولة، إضافة إلى عملية الإصلاح الاقتصادى، وعبور مصر عنق الزجاجة والانطلاق نحو بناء اقتصاد وطنى قوى والعمل فى اتجاهات شتى.. أصبح واجباً إعادة النظر فى البناء السياسى المصرى الحالى باعتباره إحدى الركائز الأساسية فى بنيان الدولة المدنية الحديثة، ومن ثم احتلال الأحزاب السياسية مكانها الحقيقى فى المشاركة السياسية، وهذا لن يتأتى إلا من خلال قناعة حقيقية بأهمية دور الأحزاب وإطلاق طاقات كوادرها فى شتى المجالات وتغيير الصورة الذهنية السلبية من الأحزاب.. وأرى أن الفرصة باتت سانحة الآن أكثر من أى وقت مضى بسبب الاستحقاقات السياسية القادمة سواء كانت فى انتخابات مجلس الشيوخ أو المجالس المحلية ومجلس النواب القادم.

< الآن ونحن بصدد إعداد قانون مباشرة الحقوق السياسية الجديد وعرضه على مجلس النواب المصرى خلال دور الانعقاد للفصل التشريعى القادم والأخير يجب أن تنحاز الدولة بكل مؤسساتها الى بناء سياسى جديد قائم على التعددية السياسية والمشاركة الحزبية الفعالة وهذا يتأتى من خلال إجراء الانتخابات على أساس القوائم، وهو أمر يجعل الأحزاب تخرج من قوالبها الجامدة وتنطلق بأفكارها وبرامجها نحو الشارع المصرى بالإضافة لقطع الطريق على تسرب أعضاء ومحبى الجماعة الإرهابية من العودة إلى مؤسسات الدولة، والأهم من كل ذلك هو انحياز هذه الأحزاب بقوتها، وقواعدها الشعبية الى الدولة المصرية فى الداخل والخارج بغض النظر عن اتفاقها أو اختلافها مع برامج وسياسة السلطة التنفيذية، وهو أمر من المؤكد يسرع الخطى نحو التحول الديمقراطى والدولة المدنية الحديثة.

 

نائب رئيس الوفد

Smiley face