رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وهم تعظيم الموت

 

 

دعانى صديق مثقف أن أكتب عن هؤلاء الذين يمجدون من داخل مقابر الأحياء فكرة أن الموت كرم كبير علينا أن ننتظره بشوق المتيمين به ، وأن تلك الحياة التى نعيشها ليست الا لحظة عابرة لا تستحق منا عناء الأشواق والأمنيات .. كثيرون يكتبون ويتحدثون بلهفة عن الموت وكأنه الحياة الحقيقية التى تستحق منا أن نبنى لها قصورا ونعشق على شواطئها قمرا ونهيم وجدا بلذة حضورها.. كل هذا يكتبونه عن الموت – ذلك المجهول – الذى يدغدغ مشاعر المحبطين وربما المظلومين والفقراء وأحيانا الذين استبد بهم ذلك الشعور بالاغتراب والشك فى أن ينعموا يوما  بالخبز الأرضى أو السماوي.. الحقيقة المؤكدة أن الموت قادم ونحن ذاهبون اليه ، ولكن من الحكمة أن نراقص الدنيا والحياه ونحترم قيم الانسانية ونزرع الحب والبهجة فى كل أرض ، ونعلى من قيم الفرح والحرية والعدالة الى أن يأتينا الموت وقت يأتى ..  أى مجتمع ينشغل قطاع كبير منه بالتسويق الدينى لفكرة الموت باعتباره خلاصا دنيويا أو شوقا سماويا هو مجتمع فاشل ومفلس ثقافيا وسياسيا وتاريخيا لأن احتقار الحياه لا يعنى عند أهل الفكر الا شيئا واحد - اما أن الانسان خطأ إلهى  أو أن الله خطأ بشرى – علاقة المصريين بالموت قديمة ولعل أكبر شواهد قبور فى التاريخ هى أهرامات المصريين  .. الاعتناء هكذا بالقبور لم يكن تقديسا للموت عند القدماء ، ولكنه الاعتقاد فى الحياة التى ستعود لجسد الميت بعد حين .. من هنا قد نرى نحن اليوم أن قدماء المصريين كانوا يقدسون الحياة ولا يأبهون بالموت الذى نظروا اليه كونه حادثًا عارضًا بين حياتين .. المصريون المعاصرون يتعلقون بؤسا بحياة هم غير قادرين على أحلامها وأعبائها ، ويتلهفون على الموت ليس عشقا لظلمة القبور وانما يأسا من حياة تفضح ضعفهم وهوانهم على أنفسهم وعلى غيرهم ..  الملاذ الكبير الذى يهرب اليه جموع المصريين حين تتضاءل فرص كرامة الحياه هو الدين لأنه الوعد الذى لا يكلفهم سوى جلسة قرفصاء أمام خطيب فى مسجد أو كنيسة - يؤجج مشاعر الأحياء بعظمة الموت وان الأبطال الحقيقيين ليسوا هم العلماء والمخترعين وكبار البنائين ، وانما هم من يكفنون دنياهم استعدادا لموكب الموت المهيب .. موقف المصريين من الموت يقترب من صورة المسيح العائد الذى صوره الروائى العالمى ديستوفسكى فى روايته الخالده « الاخوه كارمازوف » يكتب ديستوفسكى «  ان المسيح نفسه اذا عاد حيا .. فسوف يحاكمه المسيحيون بتهمة الخروج عن الدين »  .. فى الرواية جعل المسيح يعود حيا الى اشبيلية فى اسبانيا .. وجعل الشعب يلتف حوله مما اغاظ احد رجال الدين الذى انصرف عنه الناس ، ليروا المسيح حافى القدمين عارى الصدر نحيفا بسيطا .. اما رجل الدين فكان يرتدى ملابسه الفاخرة فوق كرشه الكبير .. رجل الدين هذا فى رواية ديستوفسكى هدد المسيح بانه ان لم يخرج فورا فسوف يضعه فى السجن .. ثم وضعه فى السجن وهدده بصلبه بتهمة الكفر والالحاد !! وقال للمسيح : ان الدنيا تغيرت واننا نحن معشر رجال الدين تعذبنا من اجل الحفاظ على دينك ولا نستطيع ان نمشى حفاة ولا ان نتحدث الى كل الناس ولا ان نموت من اجلهم .. هذا المشهد البليغ من « الاخوه كارمازوف »  يلخص لسان حالنا أسواق التدين فى عصرنا والتى راجت بها تجارة الموت ، والفتاوى المفصلة على مقاس القياصره  والمنتفخين بالثراء  !!..) الموت عند المصريين يشبه وعد العودة فى الكتب المقدسة والذى يلخص فكرة أن يموت الجميع من أجل وهم الوعد الا الذين يبشرون ويتاجرون به   ..

أى دولة تفكر بالتطور عليها أن تسأل نفسها – هل شعبها يحب الحياه التى علينا أن نقنعه بمشاركتنا فى البناء من أجلها – لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تقاتل عدوًا بكتيبة من المرضى والمحبطين الذين ينتظرون الموت ليس لأنه بوابة لجنات يحرسها الملائكة ، وانما لأنه مخلص من شعور مدمر بـ « اللامعنى »  وهو ما عبر عنه الرائع الفلسطينى الشاعر محمود درويش بقوله « انه زمن انتحار المعنى » .. أتصور أن الدولة المصرية بحاجة للوعى بأن المستقبل ليس محطة تنتظر وصولنا اليها .. المستقبل هو ما نفعله اليوم .. المستقبل ليس وعدا ولكنه صناعة وعلم ورؤية وتخطيط وشعب جدير بالحياة وليس كارها لها .. كثيرة هى الموضوعات التى كان يمكن أن تملأ فضاء اعلامنا ومنابرنا السياسية والدينية والعلمية .. المشكلة أننا فى فراغ  بلا اعلام  ولا اعلاميين وأمام منابر يعتليها خليط من تجار الموت والجهل والوهم ، وباتجاه مستقبل نكاد لا نراه ولا يرانا فى زحمة اللاموضوع واللارؤية واللامعنى ..

 

Smiley face