رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

ونسينا.. عيد وفاء النيل!

 

 

 

 

هل انتهى وفاء المصريين لنهر النيل.. والدليل أننا لم نعد نحتفل كما يجب بيوم وفاء النهر تجاه كل المصريين.. وكنا نطلق على ذلك «يوم عيد وفاء النيل» وهو عيد حرص المصريون منذ عصور الفراعنة على الاحتفال.. بل كان هو أعظم الأعياد المصرية.. منذ عرف المصريون قيمة هذا النهر.. وكيف عرفوا أنه «يفى كل عام» بوعده.. أى مجيئه ليروى كل حياتنا.. وطعامنا وشرابنا.. كان النيل يفى بوعده فيأتى «فى موعده»، وكنا نحن كل المصريين نشكر النهر العظيم على التزامه بالموعد.. أى كان الوفاء متبادلاً.

ولكننى صدمت بخبر صغير نشرته إحدى الصحف المصرية أمس من ستة سطور فقط عن هذا الاحتفال الهزيل الذى جرى فى اليوم السابق.. وكان هناك فى مصر موظف رسمى يجلس عند رأس المقياس.. مهمته أن يراقب ارتفاع منسوب النهر.. فإذا وصل إلى 16 ذراعاً كان ينطلق إلى الحاكم- مهما تغير اسمه- من والٍ إلى خليفة إلى سلطان إلى خديو إلى ملك- ليبشره بأن النهر جاء فى موعده وجدد وفاءه لمصر وللمصريين.. هنا كان هذا الحاكم يمنح هذا المبشر من الخيرات ما لا تصدقه.. لأن ذلك يعنى أن النهر سيغطى طلبات الناس وبالتالى يزيد الإنتاج.. فيحصل الحاكم على الضرائب.

<< وكان احتفال وفاء النيل عظيماً.. وكان يجرى عند رأس الخليج المصرى- فم الخليج- ويتم نصب الخيام والسرادقات وترتفع الأعلام والبيارق وتطوف جماعات تمثل الشعب بأحياء القاهرة- المحروسة مع زغاريط النساء وطبول الفرق الموسيقية.. وعند فم الخليج وزمام الخيمة السلطانية التى يتوسطها الحاكم تذبح الذبائح وتقام الولائم وتوزع الهدايا والهبات، وتطلق المدفعية 21 طلقة ابتهاجاً بأن النيل جاء فى موعده.. ووفى بعهده، ثم تنطلق السفن سلطانية وحكومية فى مجرى النهر جيئة وذهاباً.. وأيضاً فى مجرى الخليج المصرى الذى هو خليج أمير المؤمنين- بعد أن يتم «جبر» هذا الخليج أى فتحه فتملؤه مياه النيل وتنطلق إلى وسط العاصمة.. فى احتفال عظيم ويملأ البحيرات الداخلية والبرك، وما كان أكثرها.. ومنها بركة بطن البقرة- أى الأزبكية- وبركة الفيل والجيش وغيرها..

<< وهذا الاحتفال حرص عليه حتى الغازى الفرنسى بونابرت هو وخليفتاه الأول كليبر ثم مينو، وحضر كل واحد منهم مراسم هذا الاحتفال.. وظل هذا الاحتفال قائماً وقد شاهدته مراراً ورأيت السفينة العقبة تمر أمامى حاملة مندوب الحاكم أى الملك والوزراء وكبار المسئولين.. وظل هذا قائماً إلى أن أنشأنا السد العالى ولم يعد نلقى ما يتبقى من مياه النهر فى البحر المتوسط، ولم نعد ننعم بلون المياه الحمراء أو البنية بسبب ما فيها من طمى يحمل الخير للأرض والناس.

<< نحن فعلاً لم نعد نحترم النهر كما يجب، ولم يعد أحدنا يتذكر «عيد وفاء النيل» وكان إجازة رسمية، وهو الذى كان المصرى يقسم- عند الحساب أنه لم يلوث مياه هذا النهر.

حقاً.. كم تغير كل المصريين.. وكيف لم يعودوا أوفياء للنهر الذى صنع مصر وأرض مصر، وكان هو- مع همة المصريين- صانع الحضارة العظيمة التى قامت هنا على ضفافه.

 

 

Smiley face