رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

يا سادة: ما الموت؟

لم يعد أحد من الموتى ليخبرنا الحقيقة كما يقول محمود درويش. لم يجبنا أحد من الأحبة الراحلين عن السؤال الأصعب الذى حير العلماء والفلاسفة والمفكرين: ما الموت؟

الدين يقول إنه نهاية الاختبار، والعلم يفسره بتجمد الطاقة، وبينهما تتنوع الرؤى وتتعدد التفسيرات والاجتهادات.

هو لحظة حقيقة دامغة، خطوة بين عالمين أحدهما صاخب والآخر ساكن، حبل بين مشاعر الظن واليقين، انطفاء عقل وتحرر روح، إجازة أعضاء وتقاعد حواس، رحلة بلا تخطيط مسبق أو إشارات طريق. خرس مفاجئ وعمى مباغت ونوم يطول. الموت ضيف غير متوقع، زائر لا يستأذن، قادم حتمى لا مهرب منه.

من مات أيقن، علم، أنارته المعارف، وبلغ إجابات لأسئلة حار فيها طوال عمره. من مات فهم، تحقق، تبددت الأسرار حوله وبلغ الضفة الأخرى.

كيف يأتى وكيف يكون؟ هادئ؟ موجع؟ كريه؟ مُطمئن؟ مُحزن أم مُفرح؟ حار ذوو الألباب والأفهام وتنوعت الرؤى فشاع بين فقهاء القرون الوسطى( أبى القيم الجوزية فى كتاب «الروح») أنه موجع كضربة سيف، ورآه الأدباء والمبدعون راحة ضرورية، بل إن فيكتور هوجو يقول «الموت ليس شيئا رهيبا، الرهيب هو أنك لا تموت»، ويعتبره فلاسفة قمة اليقظة، فيقول أبو العلاء المعرى « وما نفيق من السُكر المحيط بنا/ إلا إذا قيل هذا الموت قد جاء».

ويكتب الشاعر الرائع محمود درويش قصيدته الرائعة « جدارية» ليصور فيها شعوره بالموت فيقول: «ما كان لى : أَمسي، وما سيكون لي/غَدِيَ البعيدُ، وعودة الروح الشريد/ كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ /وكأنَّ شيئًا لم يكن».

أما الكاتب الألمانى رونالد شولتس، فقد حاول مؤخرا فى كتابه «هكذا نموت» رسم ظلال الموت فيقول: إنك فى البداية تشعر أن الدم لا يكاد يصل إلى القدمين والأصابع، ثُم تبرد الأطراف، وتتلاشى الحواس رويدا. يبدأ محيط الرؤية فى التباعد، وتشعر بالوجوه القريبة للأهل بعيدة، وتبدأ فى سلسلة الوداعات، فتودع الأشخاص، ثم الأماكن، ثم تودع نفسك.

ما العمل؟ كل شيء. ليس أفضل من أن تمت فارغا. ليس لديك ما تكتمه. «مُت فارغا» عنوان كتاب رائع للكاتب الأمريكى تود هنرى ينصح فيه بأن تحقق كل أمل. إن كانت لديك فكرة نفذها، لا تؤجلها لغد. إن كان لديك علم أو فهم فامنحه لغيرك. إن كنت تحمل خيرا انشره. إن كان عندك مال فائض فانفع به آخرين. أفعل من العمل أفضله، اعط أجمل ما لديك، أبدع وتفنن وأتقن كل شيء. ينصح تود هنرى الناس بنصيحة غالية إذ يقول «لا تذهب إلى المقبرة إلا فارغا». لقد حضر المؤلف اجتماعا بإحدى الشركات العالمية وسمع أحد المدراء يسأل: ما هى أغنى أرض فى العالم؟ فأجاب كثيرون: بلاد الخليج العائمة فى النفط، وقال آخرون: إفريقيا الغاصة بالألماس. لكن المدير النابه استبعد الإجابات وقال: إن أغنى أرض هى المقبرة. والسبب أن مليارات البشر ذهبوا إليها وفى داخلهم مليارات الأفكار النافعة وأعمال الخير المؤجلة التى دفنت معهم.

والله أعلم.

[email protected]